المنتدى / التنجيم الدولي والاحوال السياسية والعالمية

نظرة بخارطة تأسيس الجمهورية العراقية

م
مناضل المختار مدير
526 نقطة 332 سمعة
💎 ❤️
مناضل المختار<br>
<img src="/nahran/uploads/editor/2026/07/img_1_1783638943_1c1bf336.jpg" alt="صورة" style="max-width:100%;height:auto;border-radius:8px;margin:10px 0;"><br>
ولدت الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958 على صورة الاسد، اي بصورة دولة تريد ان تطل على العالم بوجه سيادي مركزي حاد، لكن شمسها، وهي دليل راس الحكم ومقام السلطة، كانت في بيت الخفايا والخسائر. ومن هنا جاءت اول علامة في عمر الجمهورية: الدولة لا تقرا من واجهتها الرسمية وحدها، بل من الباطن الذي يحرك الواجهة. قيامها نفسه جاء بانقلاب عسكري انهى الملكية الهاشمية واعلن الجمهورية، ثم دخلت مبكرا في مسار انقلابات وصراع داخل بنية الحكم، من انقلاب 1963، الى عودة البعث سنة 1968، ثم استقرار السلطة الفعلية تدريجيا حول صدام حسين حتى تسلمه الرئاسة سنة 1979. هذه السلسلة لا تخرج عن دلالة الشمس في بيت الخفاء: الراس ظاهر، لكن صناعة الراس نفسها تجري من وراء الستار، عبر الجيش والحزب والمجلس والدائرة الضيقة.<br>المستولي على خارطة الجمهورية هو الزهرة في بيت المجالس والحلفاء، لا في بيت الملك وحده ولا في بيت الجيش وحده. لذلك كان عمر الجمهورية، منذ بدايته، قائما على لعبة المجالس والتحالفات والواجهات الحزبية والكتل التي تلتف حول الحكم. لم يكن كرسي السلطة منفصلا عن الحلفاء، بل كان يستمد ثباته من شبكة الولاءات. وهذا يفسر لماذا كانت الجمهورية في طورها الاول بين 1958 ونهاية الستينيات كثيرة التحول: قاسم، ثم العهد القومي والبعثي القصير، ثم حكم عبد السلام وعبد الرحمن عارف، ثم انقلاب 1968. دلالة الزهرة هنا ليست سلاما دائما، بل مهادنة وتوازنات وثروة ناعمة ومجالس، وحين تضعف هذه الشبكة يتحول الحكم من توافق الى صراع مكتوم.<br>القمر، وهو دليل الشعب والعامة، جاء في بيت المجالس والحلفاء مقترنا بالزهرة، ومنظورا من المشتري، لكنه في طريقه الى مقابلة زحل. لذلك تحمل الجمهورية منذ ولادتها صورتين معا: شعب حاضر في الشرعية والشارع والخطاب العام، وشعب يصطدم بقيود ثقيلة ودورات قهر وتهجير وحروب. انفصال القمر عن عطارد يدل على ان البداية قامت على اعلان وخطاب وبيان وتنظيم عسكري وسياسي، لكن اول وجهة للقمر الى زحل جعلت العهد الجديد يفتح باب الشد مبكرا: محاكمات، تصفيات، انقلابات، وتصلب بنية الدولة حول الجيش والحزب والامن. وهذه الدلالة ظلت تتكرر كلما ظهر الشعب في الساحة؛ يظهر بوصفه دليلا حيا، ثم تقابله بنية زحلية تقيد او تؤجل او تثقل.<br>الطور الاول من عمر الجمهورية كان زهريا بطبعه، لان حاكم فاتحة العمر هو الزهرة في الجوزاء في بيت المجالس والحلفاء. لذلك لم تكن نشاة الجمهورية نشاة دولة مستقرة مكتملة، بل نشاة دولة تبحث عن صيغتها بين الحلفاء والخصوم، بين القومية العراقية والقومية العربية، وبين الجيش والحزب والشارع. انقلاب 1963 ثم انقلاب 1968 يطابقان هذا الطور: تبدل سريع في المجالس والقوى، وكثرة مفاوضات واصطفافات، ثم بحث عن صيغة حكم تمسك الدولة. لكن الزهرة وسط الحال لا تعطي رسوخا كاملا؛ تعطي امكان الترتيب والمساومة، ومعه قابلية الانفراط عند اول ضغط قوي.<br>ابتداء من اواخر السبعينيات يظهر الطور المريخي في عمر الجمهورية بوضوح، لان حاكم الطور الاوسط هو المريخ في الحمل، وهو اقوى دليل بنيوي في هذه الخارطة. هنا انتقلت الدولة من طور المجالس المتقلبة الى طور الحسم والقوة والصدام. صعود صدام الى الرئاسة سنة 1979، ثم حرب العراق وايران من 1980 الى 1988، ليسا واقعتين معزولتين عن بنية الخارطة: المريخ في بيت الدين والقضاء والسفر البعيد، في برجه، يدل على دولة حين تبلغ طور استوائها تتكلم بلغة الجيش والحدود والعقيدة والصراع الاقليمي. الحرب مع ايران جاءت بعد ثورة 1979 هناك، واستمرت حتى 1988 وخلفت خسائر هائلة، وهي من اوضح علامات المريخ حين يتصدر الطور الاوسط للدولة.<br>لكن قوة المريخ لا تعني سلامة العاقبة. فالشمس، دليل الحكم، مربعة للمريخ، والمريخ مقابل للمشتري. لذلك كانت قوة الدولة العسكرية في الثمانينيات تحمل معها شدها الداخلي والخارجي: الجيش يعطي تماسكا وحسما، لكنه يجر الدولة الى باب النزاع الواسع؛ والقانون والثروة والجوار تدخل كلها في مقابلة مع القوة. هذا يفسر انتقال الجمهورية بعد حرب ايران مباشرة الى ملف الكويت سنة 1990، ثم حرب الخليج 1991، ثم العقوبات الطويلة. هنا ظهرت دلالة مقابلة المريخ والمشتري: القوة تتقدم، ثم تصطدم بالقانون الدولي والثروة والجوار، فتتحول الغلبة العسكرية الظاهرة الى حصار وقيود على الدولة.<br>تسيير بلوتو الى الطالع في نحو السنة 15.8 من عمر الجمهورية، اي حول ربيع 1974، يدل على تضخيم دلالة كيان الدولة وهويتها. وهذه الفترة تقع بعد تثبيت البعث سلطته وقبل انتقال الحكم العلني الى صدام، وفيها اخذت الدولة تتكثف حول حزب واحد وبنية امنية ومركز شديد. بلوتو هنا لا يغير معنى الطالع، بل يضاعف دلالة الاسد: مركزية، هيبة رسمية، وجه دولة يريد ان يحتكر صورة الكيان. لذلك كانت السبعينيات مرحلة بناء دولة قوية ظاهرا، لكنها في العمق تتحرك نحو احتكار اشد للقرار، وهو ما انسجم لاحقا مع تسلم صدام الرئاسة سنة 1979.<br>العقد التسعيني كشف دلالة الشمس في بيت الخسائر وزحل في باب القيود. بعد حرب الخليج، دخل العراق في عقوبات طويلة، ومناطق حظر جوي، وقيود على السلاح، وتدهور معيشي، وبرنامج النفط مقابل الغذاء الذي لم ينه الازمة الداخلية. هذه ليست دلالة فناء الدولة، لان الجذر الارضي في الخارطة قوي، لكن النحس يصيب الضعيف: ما كان قويا في العراق بقي متماسكا كارض وكيان وحدود عامة، وما كان هشا في الاقتصاد والخدمة والمجتمع انكشف تحت الحصار. لذلك لم تسقط الدولة كارض، لكنها تآكلت كمعيشة ومؤسسات وثقة عامة.<br>المفصل الاخطر في التسيير جاء عند عمر 42.5 سنة، اي في كانون الثاني 2001 تقريبا، حين بلغ القمر وسط السماء. القمر دليل الشعب والعامة، ووسط السماء مقام الحكم وواجهة الدولة. هذا لا يدل على حادثة عراقية داخلية واحدة فقط، بل على دخول الشعب والدولة كلها الى شاشة العالم. بعد هجمات 2001 في الولايات المتحدة اعيد تقييم السياسة الامريكية تجاه العراق بوصفه تهديدا، ثم قبل العراق التفتيش غير المشروط سنة 2002، ثم جاءت الحرب في آذار 2003. هنا كان القمر على قمة الخارطة علامة على ان مصير الناس والدولة صار معروضا في اعلى موضع، لا شانا داخليا مستورا.<br>ثم في نحو آذار 2002 بلغ تسيير الزهرة وسط السماء وبلغ زحل وتد الارض في الوقت نفسه. هذه من ادق المفاصل: الزهرة، وهي مستولي الخارطة وحاكمة كرسي الحكم، تصعد الى مقام السلطة، كأن ملف الحكم نفسه يخرج الى التفاوض والقرارات والمجالس الدولية؛ وفي الوقت نفسه زحل يضغط وتد الارض، اي جذر الدولة وارضها وبنيتها العميقة. لذلك جاءت مرحلة 2002-2003 كمرحلة قرارات دولية وتفتيش ومهلة وضغط على الارض، ثم انتهت بسقوط الحكم في نيسان 2003 وبدء الاحتلال. هنا لا يصح القول ان زحل اسقط العراق كله؛ النحس اصاب الضعيف: النظام السياسي والامن والحزب والجيش المركزي كانت مواضع الانكسار، اما الارض والكيان العراقي فبقيا، ولو دخلت الدولة في تشكل جديد موجع.<br>بعد 2003 عاد معنى الزهرة في بيت المجالس والحلفاء بصورة جديدة: سلطة انتقالية، مجلس حكم، دستور، انتخابات، ومحاصصة بين القوى. في 2005 اقر الدستور الجديد باستفتاء، ثم تشكلت مؤسسات برلمانية وحكومات ائتلافية. هذا يطابق دلالة حاكم كرسي الحكم في بيت المجالس: الحكم بعد سقوط النظام لم يعد قبضة راسية واحدة، بل صار موزعا بين كتل وتحالفات ومجالس، وفيه قابلية تسوية، لكنه متوسط الحال لا يعطي حلا مستقرا. لذلك بقيت الدولة بعد 2003 قائمة، لكنها تعيش على توازنات مرهقة بين المكونات والقوى والسلاح والمال الخارجي.<br>الفوضى التي اعقبت 2003 كشفت بيت الخفايا والخسائر مرة اخرى. تفكيك البعث وضرب بنية الجيش والامن فتحا باب فراغ طويل، ثم جاءت مقاومة وميليشيات وتفجيرات وصراع اهلي. من جهة الخارطة، الشمس في البيت الثاني عشر واورانوس هناك يدلان على ان راس الدولة كلما انكسر عادت القوى المستترة والمفاجآت العنيفة لتعيد تشكيل المجال. ومن جهة التاريخ، كانت سلطة الائتلاف، ثم الحكومات الجديدة، عاجزة عن تطبيع الامن والخدمات بسرعة، واستمرت القوات الاجنبية والتمرد والعنف الطائفي سنوات طويلة.<br>ظهور داعش سنة 2014 وسيطرته على الموصل واجزاء من الانبار والشمال اعاد اختبار قاعدة النحس يصيب الضعيف. الموضع الضعيف لم يكن ارض العراق بوصفها جذرا تاريخيا، بل هشاشة المؤسسة الامنية والسياسية بعد 2003، وفراغ الثقة بين المركز والمجتمعات المحلية. لذلك انهارت قطعات ومناطق، لكن الدولة لم تنته؛ اجتمعت قوى الجيش والعشائر والحشد والبيشمركة والتحالف الدولي، واستعيدت تكريت والرمادي والفلوجة والموصل، ثم اعلنت الحكومة النصر على التنظيم في كانون الاول 2017. هذه الدلالة تقرا من قوة بيوت الارض والدين والقضاء والسلاح: حين يصل الاختبار الى الجذر، لا يكون الحكم بالفناء الا اذا كان الجذر نفسه متحللا، اما هنا فالخريطة تعطي جذرا قويا يمتحن بعنف ثم يعيد جمع نفسه.<br>احتجاجات تشرين 2019 جاءت كعودة صريحة للقمر في بيت المجالس والحلفاء مع مقابلة زحل. الشعب ظهر لا كجمهور صامت، بل كدليل يطلب تغيير بنية الحكم كلها: رفض للفساد، للمحاصصة، وللفقر وسط الثروة النفطية، ومطالبة بتغيير سياسي واسع. لكن زحل المقابل للقمر يصف ايضا ثقل البنية القائمة؛ الاحتجاجات ضغطت على النظام وكشفت هشاشته الاخلاقية والخدمية، لكنها لم تكسر اصل البنية دفعة واحدة. وهذا يطابق الحكم الفلكي: القمر متوسط الحال، حي ومتحرك ومسنود، لكنه مقيد بزحل، فتظهر الحركة الشعبية قوية، ثم تصطدم بجدار المؤسسات والسلاح والتحالفات.<br>منذ 2018 الى ما بعد 2020 عاد العراق الى دلالة بيت الحلفاء والجوار والمال: حكومة تحتاج توازنا بين الداخل والخارج، بين الولايات المتحدة وايران، بين المركز والاقليم، وبين الدولة والفصائل. بقاء اكثر من مليون نازح بعد حرب داعش، وصعوبة دمج الفصائل المسلحة، والتوتر مع الاقليم الكردي بعد استفتاء 2017، كلها صور واقعية لدلالة القمر والزهرة في بيت المجالس مع مقابلة زحل: المجتمع والحلفاء موجودون في قلب الدولة، لكنهم ليسوا باب يسر صاف، بل باب تفاوض دائم وقيود طويلة.<br>بذلك يكون خط عمر الجمهورية العراقية واضحا: نشاة زهرية متقلبة بين المجالس والانقلابات والتحالفات، ثم طور مريخي صلب بلغ ذروته مع حكم صدام والحروب الكبرى، ثم انكسار زحلي عميق في 1991 والحصار، ثم مفصل 2001-2003 حيث صعد الشعب والدولة الى واجهة العالم وسقط النظام لا الكيان، ثم طور قمري جديد بعد 2003 جعل الجمهور والمجالس والتحالفات والمحاصصة هي قلب الحكم. الدولة لم تمت لان بيوتها الجذرية قوية، لكنها لم تستقر لان راسها في الخفاء، ومجلسها هو مفتاح حكمها، وشعبها يقابل زحل في كل مرة ينهض فيها.<br>اما ما بعد 2026 فليس تاريخا وقع، بل مواعيد دلالة قادمة من عمر الخارطة. في تموز 2035 تقريبا تبلغ الشمس وسط السماء، وهذا مفصل كبير في راس الحكم وهيبة الدولة وصورة السلطة. في شباط 2039 تقريبا يبلغ المشتري الطالع، وهي علامة فتح وتوسعة في صورة الكيان اذا كانت الدولة قد رتبت بيتها الداخلي قبلها. في كانون الثاني 2042 تقريبا يبلغ المريخ الغارب، فتعود دلالة الخصوم والمعاهدات والصراع الخارجي او الداخلي بقوة. الحكم الصارم هنا ان هذه المواعيد لا تدل وحدها على بقاء او سقوط، بل تكشف مواضع الامتحان: ان كانت بنية الحكم والخدمة والمال هشة اصابها النحس، وان كانت قد صلبت نفسها صارت الدلالة تحديا يزيد الدولة تماسكا لا انهيارا.<br>
والله اعلم.
0 اعجاب
62 مشاهدة 0 رد 7 ساعة

الردود (0)

لا توجد ردود بعد. كن اول من يرد!

سجل دخولك للرد على هذا الموضوع