حين تتكلم الخارطة بلسان اغنية: (عمري بردية)
م
مناضل المختار مدير
444 نقطة
•
277 سمعة
💎
❤️
⭐
حين تتكلم الخارطة بلسان اغنية: "عمري بردية"<br>مناضل المختار<div>https://youtu.be/W660oY1Cxec?si=s39MHWeGAPhwAt7F</div><div><br><div style="text-align:center;margin:15px 0;"><iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/W660oY1Cxec" frameborder="0" allowfullscreen="" style="max-width:100%;border-radius:10px;"></iframe></div><br>
لكل اغنية وجهان: وجه يسمعه الناس فيبكون معه ووجه اخر لا يراه الا من تعود ان يقرأ العالم كمرآة لمواقع الكواكب. انا لا اقرأ "عمري بردية" بوصفها بوحا عاطفيا فحسب بل بوصفها كلاما يصدر عن خارطة مولد فاحاول ان ارد كل صورة فيها الى الحدث الواقعي الذي يلمح اليه ثم الى الدليل الفلكي الذي يتزامن مع ذلك الحدث في التقليد الهيلينستي والعربي . واضع امام القارئ شرطا في الصدق قبل ان ابدأ هذا اسقاط احادي الاتجاه. التنجيم يمشي من الخارطة الى الحدث لا من القصيدة الى الخارطة فلا توجد خارطة واحدة "صحيحة" تطابق هذه الكلمات، بل خرائط كثيرة تحمل الدلالة نفسها. لذا اعامل ما يلي قراءة رمزية لا استنباطا واميز فيها الربط النصي المحكم من الربط الموضوعي الفضفاض.<br>
اول ما يطفو من الاغنية حدث الغربة. ليست الغربة هنا شعورا عابرا، بل ابتعاد فعلي عن المكان والسند، نفي او سفر لا قرار بعده. وهذا في التقليد دلالة البيت التاسع، بيت الاسفار والاغتراب والبعد عن مسقط الراس يعضده البيت الثاني عشر، بيت الوحشة والعزلة والانقطاع. اما الكوكب الذي يتزامن مع هذا الحال فهو زحل فهو دليل البعد والانفصال والقطيعة عن المألوف. ولو كان لهذه الاغنية صاحب من لحم ودم لتوقعت في خارطته زحل متمكنا من زاوية الاغتراب او ناظرا اليها بنحس.<br>
ثم يأتي حدث الفراق. المحبوب صار طيفا غائبا، ومطرة صيف عابرة لا تروي، وجرح وداع لا يندمل. كل هذه صور لقطيعة واقعية في علاقة انصراف طرف عن طرف. وفي صناعة التنجيم تتزامن القطيعة مع زحل ايضا فهو دليل النهايات وقطع الوصل او مع انصراف دليل المحبوب في البيت السابع عن دليل صاحب الخارطة قبل ان يكتمل الاتصال بينهما. فالاغنية كلها حكاية اتصال لم يتم، وهذا في لغتنا الفنية انفصال قبل الكمال.<br>
ولا تخفى في النص دلالة اليتم. حين يصف عمره بانه عاش يتيما، فهو يتكلم عن فقد سند مبكر، غياب احد الوالدين او كليهما او انكسار الحماية في وقت مبكر. وقد نص ابو معشر صراحة على ان زحل يدل على اليتم وعلى ما يخلفه الموتى وعلى المآتم والثكل. فاليتم هنا ليس استعارة وحدها، بل حدث يطابق طبع زحل البارد اليابس المظلم الذي يجعل صاحبه ينشأ في ظل فقد لا في دفء وصل.<br>
وفي الاغنية خذلان وبخس قيمة. ان يباع المرء برخص الامس يعني انه وثق فخان به الموثوق وقدر نفسه غاليا فبخسه الاخر. هذه دلالة عطارد حين ينكب او يحترق فيصير لسان الكذب والغش وتلوي الكلام. وهنا اقف بصدق فاقول ان هذا الربط متوسط القوة لا اكثر لانه يصلح لنصف اغاني الخذلان فلا اشدد عليه كما اشدد على ما هو انصع منه.<br>
ومن احداثها الوحشة والعزلة. الروح موحشة، والليل وحده، والدمع رفيق. هذه كلها دلالة زحل في وجهه السوداوي دليل الحزن والهم وتعقد الذهن والكآبة وقد يتزامن معها القمر منتحسا بزحل فيصير البكاء سمة لازمة. فمن كان قمره مجروحا بزحل لا تكاد تجف عينه.<br>
ثم احدثها التباسا: عين لا تميز الماء من السراب. هذا حدث في الادراك نفسه، اختلال في الحكم والتمييز ان يخدع المرء فيرى الوهم حقيقة والحقيقة وهما. وهو في التنجيم عطارد مضطرب الحكم او القمر ضائع السير لا يتصل بشيء فيتيه صاحبه. واضيف هنا نبتون كاشتقاق حديث لدلالة السراب والضباب وذوبان الحدود اوظفه بحذر ضمن فلسفة القدماء لا خارجها فهو يتزامن مع ضياع المعالم لا يصنعه.<br>
اما درة الاغنية ومفتاحها فبيت يذكر الثريا بالاسم. الباحث يفتش عن محبوبه بين نجمات الثريا فلا يجده. والمدهش ان الثريا في التقليد تطابق روح الاغنية مطابقة تكاد تكون مكتوبة لها. هي عند بطليموس من طبع القمر والمريخ وتسمى الاخوات الباكيات ( بنات نعش عند العرب) وحسب وروبسون وغيرهما على انها تتزامن مع الحزن والحجب وفقد المنزلة ومع اذى العين واضطراب البصر ومع ما لا يحمد في علاقات القلب تحديدا. فانظروا كيف تجتمع ثلاث دلالات للثريا في بيتين اثنين: المحبوب الغائب بينها وهو الحرمان في علاقة والعين التي لا تبصر الماء من السراب وهو اذى البصر والحجب والبكاء وهو اسم النجم نفسه. هذا هو الربط الوحيد المحكم نصا لان الشاعر ذكر النجم باسمه دون ان يدري انه يستحضر طبعه كاملا. ولو سقطت الثريا في خارطة حقيقية على الطالع او على دليل المحبوب لكانت شاهدا صريحا لا يحتاج تأويلا.<br>
يبقى ان اربط هذا كله بفلسفتي التي لا احيد عنها: النحس يصيب الضعيف. لاحظوا ان صاحب الاغنية يصف نفسه هشا قبل النحس لا بعده. عمره بردية في ريح وحياته جرف عاش يتيما وقد تاه قبل ان يتيه به الاخرون. اي ان دليل علاقته ودليل حيويته كانا ضعيفين ساقطين من الاساس فلما نزلت عليهما دلالة زحل ودلالة الثريا نزلت انهيارا لا تحديا. ولو كانت دلالته قوية بوضعها الواقعي لصار الفراق نفسه بابا لنضج، والغربة طريقا الى عودة. فالنحوس لا تكسر الا ما كان مكسورا وما كان صلبا تشده فتزيده صلابة. هذه هي الاغنية حين تقرأ بميزان التنجيم: ليست شكوى من الفلك بل وصف دقيق لدليل ضعيف ادركه ما يدركه الضعيف.<br>
وفي الختام اعيد التذكير : من كل ما تقدم الربط الصلب هو الثريا وحدها لانه نصي متعدد الطبقات ويليه زحل لانه خيط نظامي يفسر اربعة احداث دفعة واحدة اما عطارد للخذلان ونبتون للسراب فمطابقات معقولة لكنها فضفاضة لا اقيم عليها حكما. فلتقرأ هذه المقالة كما كتبتها قراءة رمزية تنير الكلمات بلغة الكواكب لا حكما على خارطة لا نعرف صاحبها.<br>
</div>
1 اعجاب
61 مشاهدة
0 رد
11 ساعة