حركة القمر وقوة دفع الأمراض
ح
حديث النجوم
16 نقطة
•
8 سمعة
🌟
آمن قدماء المنجمين والأطباء بأن جسد الإنسان يخضع لمد وجزر غير مرئي، تماماً كما تخضع له البحار. فبينما يمتلئ ضوء القمر في أول شهره، تمتزج الدماء بالقوة وتصبح الأبدان أقدر على دفع الأسقام، وما إن يبدأ ضوؤه في الانحسار، حتى تخبو معها شعلة المقاومة في الجسد. إن فهم مسير القمر وزواياه الهندسية لم يكن ضرباً من التنجيم وحسب، بل كان خارطة زمنية دقيقة يعتمد عليها الأطباء لتوقع (أيام الأزمة) أو ما يعرف في علم النجوم بـ(البُحران) وتحديد اللحظات الحاسمة بين الشفاء والانتكاس.<br>قال ابومعشر: الذين يمرضون في أول الشهر فإن أبدانهم تكون على دفع الأمراض والعلل أقوى والذين يمرضون في آخر الشهر فإن أبدانهم تكون على العلل أضعف،... فأما حالات المرضى فإنما يعرف من مسير القمر في كل يوم ومن بلوغه إلى تسديس وتربيع ومقابلة.. فمن حال القمر في هذه الأيام يعرف حال المريض. (أ.هـ)<br>وقال علي بن رضوان (من كبار أطباء مصر): في شرحه لكتاب بطليموس: إن الطبيب الذي يجهل حركة النجوم يشبه الأعمى الذي يضرب بالعصا، فهو لا يعرف متى تهيج الأخلاط ومتى تسكن، فمن كان مرضه والقمر في برج مائي فليحذر من زيادة الرطوبة والبلغم، ومن كان في برج ناري فمرضه من حدة الدم والصفراء. (أ.هـ)<br>ويرى بطليموس أن القمر هو المسير الأساسي للرطوبات، ويقول: يجب على الطبيب أن يراعي مسير القمر، فإذا كان في البروج المنقلبة (مثل الحمل والسرطان) فإن الأمراض تتغير بسرعة، وإذا كان في البروج الثابتة (مثل الثور والأسد) فإن العلل تمكث وتطول.<br>ونسب المنجمون إلى #هرمس قولاً شهيراً يحذر من التدخل الجراحي بناء على موقع القمر: لا تمس بالعيدان (المبضع أو الجراحة) العضو الذي يكون القمر في البرج المختص به، لأن النزيف يكون أشد والقوة تكون أضعف.<br>وقال سهل بن بشر: إذا مرض الإنسان والقمر فاسد بالاتصال (منتحس بزحل أو المريخ)، دل ذلك على شدة الألم وعجز الطبيب، أما إذا كان القمر متصلاً بالسعود (المشتري والزهرة) فذلك دليل على الخلاص القريب مهما عظم الوجع.<br>يضيف سهل بن بشر قاعدة ذهبية يقول فيها: لا ينبغي للطبيب أن يعطي الدواء المسهل (المنظف للجسم) والقمر متصل بكوكب زحل، لأن زحل يجمد الرطوبات ويقبض الطبيعة، فيحبس الدواء داخل البدن ويؤذي المريض، بل يترقب اتصال القمر بكوكب المشتري.<br>وابن سينا رغم كونه طبيباً، إلا أنه أخذ بالحسبان (أيام الأزمة) فربط في كتاب "القانون" بين النوبات المرضية وبين حركة القمر والحسابات الفلكية، معتبراً أن القوة البدنية تتبع دورة القمر زيادة ونقصاناً، مما يؤثر على نضج الأخلاط في الجسم. فقال: إن الطبيب الحاذق يجب أن يراقب علامات البحران قبل وقوعه: (إذا رأى الطبيب أن القمر يقترب من زاوية التربيع (اليوم السابع) مع كوكب منحس (مثل زحل)، فعليه ألا يجهد المريض بالأدوية القوية، لأن الطبيعة تكون مشغولة بالصراع). ويرى أن اليوم السابع هو (أصدق أيام البحران)، لأن القمر فيه يغير طبيعته من الرطوبة إلى الحرارة، مما يساعد على نضج الأخلاط. (أ.هـ)<br>*تقسيم أعضاء الجسم على البروج في التنجيم الطبي: <br>
كان المنجمون والأطباء القدماء لا يجرون حجامة أو جراحة إلا بمراعاة مسير القمر في البروج، خوفاً من هيجان الأخلاط. وتوزيع الأعضاء كما ذكره أبو معشر وغيره هو:<br>
الحمل: الرأس والوجه والعينين.<br>
الثور: الرقبة، الحنجرة، والأوتار الصوتية.<br>
الجوزاء: الكتفان، الذراعان، والرئتان.السرطان: الصدر، الثدي، والمعدة.<br>
الأسد: القلب، الظهر، والعمود الفقري.<br>
العذراء: الأمعاء والبطن.<br>
الميزان: الكليتان والظهر من الأسفل.<br>
العقرب: الأعضاء التناسلية والمثانة.<br>
القوس: الفخذان.<br>
الجدي: الركبتان والعظام.<br>
الدلو: الساقان.<br>
الحوت: القدمان.<br>*تحديد نوع المرض من طبائع البروج:<br>
قسم القدماء البروج إلى أربع طبائع، وكل طبيعة تتحكم في خلط من أخلاط الجسم الأربعة:<br>
البروج النارية (الحمل، الأسد، القوس): إذا كان القمر أو (رب بيت المرض فيها)، فالمرض من نوع الصفراء، وأعراضه الحمى الشديدة، العطش، الأرق، والالتهابات الحادة.<br>البروج الترابية (الثور، العذراء، الجدي): تشير إلى مرض السوداء، وأعراضه الأمراض المزمنة، الاكتئاب، آلام العظام، والعلل التي تطول مدتها.<br>البروج الهوائية (الجوزاء، الميزان، الدلو): تشير إلى فساد الدم، وأعراضه الصداع، علل الصدر، والأمراض التي تنتقل عبر الهواء أو النفس.<br>البروج المائية (السرطان، العقرب، الحوت): تشير إلى غلبة البلغم، وأعراضه نزلات البرد، الأورام المائية، الكسل، واسترخاء الأعضاء.<br>*أيام الأزمة (البحران):<br>
يوم الابتداء: هو اللحظة التي يشعر فيها المريض بأول ألم أو يضطر للفراش.<br>اليوم السابع (التربيع): القمر يكون قد قطع 90 درجة. ويسميه المنجمون (يوم التغيير). فإن كان القمر فيه سعيداً (متصلاً بالمشتري أو الزهرة)، انكسرت حدة المرض. وإن كان نحساً، زاد الخطر. <br>اليوم الرابع عشر (المقابلة): (يوم القضاء). إما أن تتغلب الطبيعة (الجسم) على المرض فيبدأ التماثل للشفاء، أو يغلب المرض فتحدث الوفاة أو يتحول المرض إلى مرض مزمن.<br>*قاعدة (احتراق القمر واستقباله):<br>
القمر تحت الشعاع (المحاق): إذا مرض الإنسان والقمر قريب جداً من الشمس (في نهاية الشهر القمري)، فهذا أردأ ما يكون، لأن ضوء القمر (الذي يمثل القوة البدنية) يكون محترقاً ومعدوماً، فيكون المريض في غاية الضعف.<br>القمر في الاستقبال (بدر): القوة تكون في قمتها، لكن (الأخلاط) تكون في حالة هيجان (مثل المد والجزر)، لذا تكثر في هذه الفترة النزيف والأزمات المفاجئة.<br>*دور (رب البيت السادس) في التنجيم الطبي: <br>
ينظر دائماً إلى البيت السادس (بيت المرض): إذا كان كوكب هذا البيت ثقيلاً (مثل زحل)، فالمرض بطيء الشفاء وله جذور قديمة، وإذا كان الكوكب سريعاً (مثل عطارد أو القمر)، فالمرض عارض ويزول بسرعة، وإذا كان الكوكب نارياً (مثل المريخ)، فالمرض يصاحبه جروح أو طفح جلدي أو حرارة عالية.<br>*مثال عملي: <br>
مريض في الفراش في يوم 3 من الشهر العربي ولنقل إن المريض شعر بالعلة والقمر في برج الحمل (وهو برج ناري، يمثل الرأس). <br>
1. فحص قوة البدن (حسب قول أبي معشر): بما أننا في أول الشهر (اليوم الثالث)، قول أبو معشر: (بدنه على دفع الأمراض أقوى).<br>المريض هنا في مرحلة زيادة الضوء ورطوبة الجسد في أشدها. هذا يعني أن "الحرارة الطبيعية" قوية، وجهاز المناعة (بالمفهوم الحديث) لديه جيش من الطاقة لمواجهة العلة. <br>التوقع: الشفاء ممكن وسريع.<br>2. تحديد مكان الوجع ونوعه وبما أن القمر في برج الحمل: يتوقع المنجم أن الوجع يتركز في الرأس أو العينين، أو قد يكون صداعاً حاداً. وبما أن الحمل برج ناري: العلة سببها (غلبة الصفراء) أو حدة في الدم، وتظهر كحمى حادة (حرارة).<br>3. مراقبة أيام الأزمة (مسير القمر): وهنا سينتظر المنجم تحرك القمر ليصل إلى النقاط الحرجة: بعد 7 أيام (يوم 10 من الشهر): يصل القمر إلى التربيع (برج السرطان). هنا ينظر المنجم، هل القمر في السرطان يتصل بكوكب سعد (مثل المشتري)؟ إذا كان الجواب نعم، يقول للمريض: في هذا اليوم سيعرق جسدك وتنكسر الحمى، وهي علامة الشفاء.<br>أما إذا اتصل بكوكب نحس (مثل زحل)، فيقول له: ستنتقل العلة من الرأس إلى الصدر (لأن السرطان يحكم الصدر)، وتصبح الأزمة أصعب.<br>بعد 14 يوماً (يوم 17 من الشهر): يصل القمر إلى المقابلة (برج الميزان). هذا هو (يوم القضاء). وبما أن المريض بدأ مرضه والقمر قوي (أول الشهر)، فإنه غالباً سيصل لهذا اليوم وقد استرد عافيته. لكن إذا استمر المرض لهذا اليوم، فإن الصراع يكون في أوجه بين "الطبيعة" وبين "المرض".<br>*ابن سينا والبحران<br>1. مفهوم "البحران" عند ابن سينا: <br>يعرف ابن سينا البحران بأنه: تغير سريع في المرض إلى جهة الخلاص أو العطب. ويرى أن هذا التغير لا يحدث بصورة عشوائية، بل هو نتيجة صراع بين القوة التدبيرية (المناعة) وبين المادة المرضية.<br>2. علاقة القمر بالبحران (أيام الأزمة):<br>ابن سينا، رغم كونه طبيباً، لم ينف تأثير الأجرام السماوية، بل قال إن الطبيعة الأرضية تتبع في حركتها الطبيعة السماوية. وأوضح أن القمر هو المحرك الأساسي لهذه الأيام لسببين:<br>السبب الأول: سرعة حركته، فهو الجرم الوحيد الذي يقطع مسافات كافية لإحداث تغيير في الأمراض الحادة (التي تنتهي في 14 أو 21 يوماً). <br>السبب الثاني: تأثيره على الرطوبات، فكما يثير القمر البحار، يثير الأخلاط (سوائل الجسم) في أيام معينة.<br>3. تقسيم الأيام عند ابن سينا: <br>
قسم ابن سينا الأيام إلى:<br>
الأيام الحادة جداً: وهي التي يقع فيها البحران في اليوم الرابع.<br>الأيام الحادة: وهي التي يقع فيها البحران في اليوم السابع (وهو تربيع القمر لمركزه الأول).<br>أيام المهلة: وهي التي يقع فيها في اليوم الرابع عشر (وقت مقابلة القمر لمركزه الأول).<br>4. قول ابن سينا في "تدبير المريض" وقت الأزمة: <br>قال ابن سينا: إن الطبيب الحاذق يجب أن يراقب علامات البحران قبل وقوعه، فإذا رأى الطبيب أن القمر يقترب من زاوية التربيع (اليوم السابع) مع كوكب منحس (مثل زحل)، فعليه ألا يجهد المريض بالأدوية القوية، لأن الطبيعة تكون مشغولة بالصراع، ويرى يرى أن اليوم السابع هو (أصدق أيام البحران)، لأن القمر فيه يغير طبيعته من الرطوبة إلى الحرارة، مما يساعد على "نضج الأخلاط".<br>5. فلسفته في "القوة والضعف" (تقاطع مع قول أبي معشر):<br>يؤكد ابن سينا أن المرضى في بداية الشهر القمري تكون أرواحهم الحاملة للقوة أشد، لأن الضوء في زيادة، مما يجعل الدم أزيد والنضج أسرع. أما في محاق القمر، فتضعف القوى وتجف الرطوبات الأصلية، مما يجعل البحران (الأزمة) في آخر الشهر أخطر على المريض لضعف طاقته.<br>انتهى<br>
2 اعجاب
46 مشاهدة
3 رد
5 ساعة