نظرية التزامن الكوني ( كما فوق كذلك تحت)
م
مناضل المختار مدير
138 نقطة
•
98 سمعة
💎
❤️
⭐
<p>نظرية التزامن الكوني ( كما فوق كذلك تحت)</p><p>مناضل المختار </p><p>مقدمة</p><p>تعد «نظرية التزامن الكوني» في الفلسفة الهرمسية إطار لفهم العلاقة التناغمية بين السماء والأرض وقد عبرت عنها العبارة الشهيرة «كما فوق كذلك تحت» الواردة في نصوص هرمسية قديمة مثل لوح الزمرد (Emerald Tablet). </p><p>ويشير هذا القانون إلى أن ما يحدث في المستويات العليا (الكونية أو السماوية) له نظير أو مقابل في المستويات الدنيا (الأرضية والمادية) والعكس صحيح. أي أن الكون بمجمله يشكل وحدة متناغمة يتردد صداها عبر جميع المستويات مما يتيح فهم الواقع الأرضي من خلال رموز ومعطيات كونية.</p><p>سنستكشف فيما يلي جذور هذا المفهوم في </p><p>كتابات هرمس القديمة (المتون الهرمسية Hermetica) وكيفية فهمه كانعكاس بين الكوني والأرضي والروحي والمادي ثم تطبيقاته في أنظمة التنجيم قبل مقارنته بمفاهيم مشابهة في فلسفات وأديان أخرى (مثل ثنائية الماكروكوزم/الميكروكوزم في الفكر اليوناني ومبدأ الانعكاس في التصوف الإسلامي وبعض الرؤى المماثلة في الطاوية والبوذية).</p><p>القانون الهرمسي «كما فوق كذلك تحت» وجذوره في المتون الهرمسية</p><p>ظهر قانون «كما في الأعلى كذلك في الأسفل» بصيغ مختلفة في النصوص الهرمسية المبكرة. أشهر هذه الصيغ ما يرد في لوح الزمرد المنسوب لهرمس مثلث الحكمة حيث يذكر: «حق لا شك فيه… ان الأعلى من الأسفل والأسفل من الأعلى». وفي ترجمة لاتينية شائعة: «ما هو فوق يشبه ما هو تحت وما هو </p><p>تحت يشبه ما هو فوق». هذه العبارة تختزل المبدأ الهرمسي للتناظر أو المراسلة بين المستويات الوجودية. وقد فهمتها المدارس الباطنية عبر العصور على أنها تشير إلى قانون المراسلات الكونية: أي وجود تشابه بنيوي وقانوني بين الكون الأكبر (الماكروكوزم) والعالم الأصغر (الميكروكوزم).</p><p>في كتابات المتون الهرمسية يصور الكون على أنه كيان حي منظم يعكس الإرادة الإلهية ( ونرى ترجيح لهذا التصور بالقران حيث يقول سبحانه (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) </p><p>ويصور الإنسان على أنه صورة مصغرة من هذا الكون وجاء في متن هرمسي (الكتاب العاشر) القول بأن الله يمثل المرتبة الأعلى ثم يليه الكون ثم الإنسان وإن «الله يحتوي الكون </p><p>والكون يحتوي الإنسان فالكون هو ابن الله والإنسان ابن الكون وكأنه حفيد الله» وفي هذا الإطار يرى الهرمسيون أن الوجود مرصوص في سلسلة هرمية مترابطة: الله – الكون – الإنسان بحيث يتصل كل منها بالآخر بشكل وثيق. ويترتب على ذلك أن النجوم والكواكب ليست كيانات منعزلة بل هي أجزاء من جسد الكون الحي تؤثر رمزيا (أو تتوافق) مع مجريات الأرض والعالم المادي عند هرمس ليس منفصل عن الروحي بل صورة وظل للعالم الروحي.</p><p>فكل ما يتحقق في المادة له أصل أو نظير في السماء أو في العالم العقلي وبهذا المعنى يصبح فهم العلاقات الكونية مفتاح لفهم أسرار الطبيعة والإنسان وهذا المبدأ عينه ظهر لاحقا فيما سمي بمبدأ المراسلات في حكمة عصر النهضة والتصوف الغربي ومفاده أن (كل شيء في الأسفل يعكس ما في الأعلى] ضمن نظام </p><p>واحد.</p><p>انه مرآة وحدة الوجود: فالكون جسد كبير والإنسان جسد صغير تحكمهما نفس القوانين والنسب.</p><p>الانعكاس بين الكوني والأرضي: العلاقة بين الروحي والمادي</p><p>يرتكز قانون (كما فوق كذلك تحت) على رؤية كونية موحدة توحي بين العالم الروحي والعالم المادي. فالهرمسيون (وغيرهم من الفلاسفة المتأثرين بالأفلاطونية المحدثة والرواقية) اعتقدوا بأن الكون كائن حي ذو روح شاملة (تعرف أحيانا بروح العالم) تربط جميع أجزائه. وبوجود هذه الوحدة يصبح كل عنصر في الكون مرآة لبقية العناصر. فالإنسان على سبيل المثال يحمل في تكوينه عناصر ونظم تماثل ما </p><p>في الكون الأكبر لذا وصف بأنه ميكروكوزم (عالم صغير) يقابل الماكروكوزم (العالم الأكبر).</p><p>وقد وردت اشارات كثيرة بالدين الاسلامي توافق نظرية هرمس هذه ولهذا آمنت بها الكثير من المذاهب والحركات الاسلامية فقد فمقولة (وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ) منسوبة لعلي بن أبي طالب وتعبر عن فلسفة هرمس القديمة. </p><p>ففي النصوص الهرمسية والتعليم الأفلاطوني المحدث نجد توكيد على أن الإنسان يجمع بين الجسد المادي والنفس الروحية والعقل الإلهي مما يجعله واسطة بين السماء والأرض .</p><p>هذا التصور ينعكس أيضا في فلسفة الأفلاطونية المحدثة فقد أكد أفلوطين – وهو من معاصري التأثيرات الهرمسية – أن النجوم والكواكب لا تسبب الأحداث الأرضية بل تعلن عنها كعلامات وإشارات في نسيج الكون وشبه أفلوطين حركة الأفلاك بكتاب سماوي أو نص </p><p>مكتوب على صفحة السماء يمكن للعارف قراءته للتنبؤ بالمستقبل وهذا عين ما يقوله المبدأ الهرمسي: إن العالم المادي كتاب مفتوح رموزه في السماء لمن يحسن التأويل وبالمثل صرح العلامة المسيحي أوريجن (القرن الثالث الميلادي) – في جداله ضد الحتمية – بوضوح: (النجوم ليست أسباب للإنسان بل هي</p><p>علامات... فهي مظهر لإرادة عليا لا يفقهها البشر تماما». هذا الفهم يشير إلى علية رمزية أو تزامنية بين الأحداث الكونية والأرضية: فالأفلاك تشير إلى ما سيحدث دون أن تكون هي الفاعلة المادية المباشرة. وهكذا يصبح الكون أشبه بساعة ضخمة تشير عقاربها (الكواكب) إلى الأزمنة والأحداث دون أن تكون هي صانعتها – فالصانع هو العقل الكلي أو الإرادة الإلهية الكامنة خلف الكون.</p><p>صورة: لوحة "الإنسان بوصفه عالمًا مصغرًا" من أعمال روبرت فلَد (1619) تُظهر هيئة الإنسان متراكبة على هيكل الكون؛ إذ ترتبط رأسه بالعالم السماوي (العقل المحيط أو الإمبيريوم) وصدره بالعالم النجمي (الأثيري) وبطنه بالعالم الأرضي العنصري.</p><p><img style="max-width:100%;height:auto;border-radius:8px;margin:10px 0;" alt="image1768510557302.png" src="/nahran/uploads/documents/2026/01/doc_1_1768510605_25cc7364.png" /></p><p>تمثل هذه الصورة رؤية تنجيمية-فلسفية بأن بنية الإنسان مرآة لبنية الكون وأن قوى العوالم العليا تتوافق مع نظائر داخل الكيان البشري.</p><p>انبثق التنجيم من امتزاج معارف بابلية-كلدانية مع الفلسفة اليونانية وقد تبنى المنجمون مبدأ (التزامن الكوني) الرواقي كأساس نظري لفهم تأثيرات النجوم. يرى الرواقيون أن الكون حي مترابط تسري فيه نفس كونية واحدة (البنوما pneuma) تربط بين جميع أجزائه عبر توتر أو نشاط ممتد في كل شيء. ضمن هذه النظرة، كل حدث في جزء من الكون له صدى في جزء آخر بحكم وحدة الأصل والنظام. وقد استغل المنجمون ذلك لتبرير إمكانية التنبؤ: فمعرفة أوضاع الكواكب السماوية تعطينا نافذة على ما يجري أو سيجري على الأرض لا بسبب ميكانيكي بل بسبب الترابط والتناغم الكوني. </p><p>كتب الفيلسوف بوسيدونيوس (القرن الأول ق.م) – وهو من أقطاب الرواقية المتأخرين – </p><p>عن هذه الفكرة قائلاً إن الانسجام الكوني يسمح بارتباط الإشارات (سواء في الطبيعة الأرضية أو مواقع النجوم) بالأحداث المستقبلية دون سببية مباشرة. </p><p>اي ان الكواكب يمكن أن تكون ادلة على الأحداث وليست علل فيزيائية لها وقد مثل هذا نقلة من التفكير بالخرافة إلى محاولة فهم عقلاني لمنظومة التنجيم: فالنجوم تعكس نظام القدر ولا تفرضه قسرا.</p><p>وفي الممارسة اعتمد المنجمون مثل بطليموس الإسكندري (القرن 2م) مفهوم المراسلات الرمزية هذا لتفسير تأثيرات الكواكب. بطليموس في كتاب “المجسطي” الفلكي والمقالات الاربعة تحدث عن قوى الكواكب من منطلق عناصر الطبيعة (حار/بارد، رطب/يابس) وتأثير مزاجها على الأرض لكنه أقر أيضا بأن نسبة الخطأ في التنجيم ليست بسبب خلل في النظام بل لقصور علم المنجم أو تعقيد العوامل. </p><p>وهذا يتفق مع رؤية أن مواقع النجوم تقدم إشارات احتمالية لا حتمية مطلقة ولعل العبارة اللاتينية المأثورة “Astra inclinant non necessitant” (ومعناها: النجوم تدل ولا تجبر) تلخص موقف الكثير من فلاسفة القرون الوسطى تجاه التنجيم.</p><p>فعندما انتقل التراث النجومي إلى الحضارة الإسلامية (بدء من القرن الثامن الميلادي عبر الترجمات) تلقفه العلماء والفلاسفة المسلمون باهتمام مشوب بالحذر. فقدروا فيه بعده المعرفي وارتباطه بالرياضيات والفلك لكن اشترطوا عدم تعارضه مع التوحيد وإرادة الله الحرة. لذلك نجد تمييز في المصادر الإسلامية بين علم الفلك المشروع (الرصد وحساب المواقيت وحركة الأجرام) وعلم التنجيم المرفوض إذا ادعى معرفة الغيب أو نسب التأثير استقلالا للكواكب. أما ان قصد به قراءة ادلة وضعها الله في الآفاق فقد قبل بعض </p><p>العلماء به على مضض في إطار ما يعرف بعلم «أحكام النجوم». مثلا يشير أبو معشر البلخي ( 886م) – أبرز منجم وفيلسوف مسلم – في مقدمة كتاب المدخل الكبير إلى أن دراسة النجوم مبنية على فهم سنن الكون وترتيب الخالق له وليس على استبداد الكواكب بالأمر. كذلك حاول البعض كالفيلسوف الكندي ( 873م) تفسير كيفية تأثير الكواكب عبر ما سماه الأشعة أو القوى لكن التيار الغالب مع ذلك كان يرى النجوم علامات زمنية مثل الهلال الذي يظهر ببداية الشهر علامة لبداية الشهر . وقد عارض فقهاء كثر أي إيمان يوهم بأن للكواكب إرادة أو تأثير خارج مشيئة الله مشددين على كونها مسخرات تدل على أحداث الطبيعة بإذن الله (استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾). </p><p>من هنا نجد منجمين مسلمين يؤكدون أن عملهم هو قراءة (الكتاب الإلهي المفتوح) في </p><p>السماء لا ممارسة قوى سحرية. </p><p>لذا يمكن ان نقول ان اول ظهور واضح لنظرية الدلالة والتزامن الكوني ظهر بعد ظهور الاسلام وعلى يد الفلاسفة المسلمين امثال ابن سينا والفارابي الذين انتقدوا التنجيم القائم على نظرية تأثير الكواكب وقبلهم نرى ظهور غير مباشر لها بلسان علي بن ابي طالب ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم بشكل اظهر النظرية بشكل واضح لدرجة ظهور كتاب كامل بأسم ( فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ) في القرن السابع الهجري يعتمد نظرية الدلالة ويوضحها بشكل كامل.</p><p>وهكذا توضحت النظرة الرمزية/السببية مهيمنة: </p><p>الكواكب تدل على حوادث دون أن تكون فاعلة مستقلة.</p><p>وقد تبنى مانويل كومنينوس إمبراطور بيزنطة </p><p>في القرن الثاني عشر موقف مماثل في دفاعه عن التنجيم ضد منتقديه اذ اعلن صراحة ان النجوم علامات يستدل بها وليست اسباب تولد الأحداث – وهو نفس ما قرره أفلوطين واوريجن من قبل كما أسلفنا.</p><p>وفي أوروبا خلال العصور الوسطى استمر تقليد التنجيم على أساس مبدأ التوافق بين العلوي والسفلي فالفيلسوف اللاهوتي توما الأكويني (القرن 13م) مثلا وافق على تأثير الأجرام السماوية في عالم العناصر وعلى الأجساد والكائنات (ضمن نظام العلة الثانية تحت إرادة الله) لكنه أنكر أن تتحكم كليا في إرادة الإنسان مرجعا ذلك إلى حرية الاختيار الإنساني وهذا الموقف التوفيقي ينسجم مع فكرة أن النجوم تؤثر بإذن الله كعوامل طبيعية عامة (كالتأثير في الطقس والأمزجة مثلاً) لكنها لا تلغي مسؤولية الإنسان.</p><p>لقد نظر علماء تلك الحقبة إلى التنجيم بوصفه علم رمزي يكشف الترابطات بين الزمن الكوني والأحداث الدنيوية. ويشهد على ذلك كثرة الرسوم العتيقة التي تربط بين الأجرام السماوية وشؤون الإنسان مثل صورة الرجل الفلكي أو انسان البروج الشهيرة التي تربط بين أعضاء الجسد البشري والأبراج الاثني عشر كدلالة على أن الإنسان مجبول وفق نموذج الكون وأن كل جزء فيه ينسب لبرج أو كوكب .</p><p><img style="max-width:100%;height:auto;border-radius:8px;margin:10px 0;" alt="image1768510557332.png" src="/nahran/uploads/documents/2026/01/doc_1_1768510606_1143a67a.png" /></p><p>لقد كان الاعتقاد السائد أن الفلكي الحكيم كالطبيب: يتنبه للإشارات الكونية لفهم طبيعة الحالة وتوقيتها دون أن يعني ذلك أن الكواكب نفسها تملي الحدث حتما.</p><p>مقارنات مع فلسفات وتقاليد روحية أخرى</p><p>ان فكرة التناغم بين المستويات العليا والدنيا أي وجود توافق بين السماوي والأرضي ليست حكرا على التراث الهرمسي بل تظهر بأشكال متنوعة في معظم المذاهب الفكرية والدينية الكبرى.</p><p>١. الفلسفة اليونانية القديمة: تناول الفيثاغوريون وأفلاطون مفهوم الكون بوصفه كائن حي ورأوا في الإنسان صورة مصغرة منه وأشار أفلاطون في محاورة طيماوس إلى أن النفس الكونية واحدة ومنتشرة في جميع أجزاء العالم وان نفس الإنسان من جوهرها لكنها محصورة في جسد فان. كما تبنى فلاسفة المدرسة الرواقية كما ذكرت فكرة الـ (التعاطف الكوني) التي تربط بين جميع الكائنات معتبرين </p><p>أن العالم الكبير (الماكروكوزم) والعالم الصغير (الميكروكوزم) يعكسان بعضهما البعض ضمن جسد الكون الإلهي. ولم تكن هذه النظرة نظرية صرف بل أثرت عمليا في علوم الطب (نظرية الأمزجة الأربعة المرتبطة بالعناصر والكواكب) والفلك (ربط الكواكب بالأيام والأشهر والفصول...). </p><p>وكان من نتائجها القول بأن دراسة الطبيعة البشرية تقود لفهم الطبيعة الكونية والعكس صحيح وقد أجمع مفكرو تلك الحقبة على أن القوانين التي تحكم النجوم هي ذاتها التي تحكم أجسادنا بحكم صدور الجميع عن مصدر واحد وترابطهما عبر النفس الكلية.</p><p>٢. التصوف الإسلامي: استخدم حكماء التصوف في الحضارة الإسلامية مفهوم المرايا والمتقابلات للتعبير عن العلاقة بين الله والإنسان والكون وينسب للإمام علي بن أبي </p><p>طالب قوله في بيت شعر مشهور: «وتحسبُ أنك جرم صغير .وفيك انطوى العالمُ الأكبر» – أي تظن نفسك جرم (جسد) صغير وفيك انطوت جميع أسرار العالم الأكبر وهذا التعبير يلخص عقيدة صوفية مفادها أن الإنسان مرآة للوجود كله فهو يجمع الأسماء والصفات الإلهية كلها في روحه كما يجمع عناصر الكون في جسده. </p><p>وبرزت لدى كبار الصوفية كابن عربي ( 1240م) فكرة الإنسان الكامل الذي يمثل الكون في أوجهه كافة ويعكس الحقائق الإلهية وان العالم خلق على صورة الإنسان (أو العكس) ليكون الإنسان مختصر للكون. كذلك تحدثت رسائل إخوان الصفا (القرن 10م) عن الإنسان باعتباره عالم صغير والكون عالَم كبير وبينوا بالتفصيل التناظرات بين تركيبة الإنسان (الجسمانية والروحية) وبنية الأفلاك والعناصر. </p><p>يقول اخوان الصفا في إحدى رسائلهم: “إن الله </p><p>جمع في خلق الإنسان جميع عوالم الكون: فقد خلقه عالم صغير يحوي صورة العالم الكبير بأسره”. فالعقل يقابل الملائكة والروح تقابل السماء والجسد يقابل العالم المادي وهكذا في سلسلة من التوافقات قصدوا بها إظهار وحدة الصنع والخطط الإلهية.</p><p>٣. الفلسفة الطاوية والصينية: يحتوي التراث الصيني على مفهوم شبيه يعرف بمبدأ التناغم بين السماء والأرض والإنسان. فوفق الفلسفة الصينية التقليدية (كما في نصوص أي تشينغ وتعاليم لاوتزه وكونفوشيوس) هناك ثالوث مكون من السماء (العالم العلوي) والأرض (العالم السفلي) والبشر (واسطة بينهما). </p><p>يحاول الإنسان الحكيم في الطاوية أن يسير وفق الـ”طا” (القانون الكوني) من خلال العيش بتناغم مع إيقاعات الطبيعة والفصول والأجرام ويظهر هذا بوضوح في الطب الصيني وفن </p><p>الفنغ شوي والتنجيم الصيني حيث تربط أعضاء الجسد بخمسة عناصر كونية (معدن، خشب، ماء، نار، تراب) مرتبطة بدورها بالكواكب . </p><p>الفكرة هنا أن الصحة والانسجام يتحققان عندما يعكس الجسد والنفس النظام الكوني. مثلا نظام الميريديان في الطب الصيني يربط بين مسارات الطاقة في جسم الإنسان ودورات العناصر في الطبيعة وكذلك في التنجيم الصيني (تقويم السنين والأبراج الحيوانية) تعتبر الأحداث الأرضية متوازية مع دورات فلكية معتبرة ومن غير إعتقاد بعلة حتمية بل بتوافق في الإيقاع والطاقة بين السماء والأرض.</p><p>٤. الفلسفة البوذية وبعض المعتقدات الشرقية</p><p>في البوذية خاصة في تقاليد الماهايانا وفلسفة أفاتامساكا (هوايين) يبرز مفهوم يعرف باسم ”شبكة إندرا” للتعبير عن ترابط كل جزئية في </p><p>الكون مع الكل وتصور شبكة إندرا كشبكة كونية لآلهة قديمة فيها جواهر لا حصر لها وكل جوهرة منها تعكس صورة الجواهر الأخرى جميعا. هذا مجاز بليغ للتداخل الكلي: كل كائن هو مرآة للوجود بأسره. وفي التعاليم البوذية يقال: في قطرة ماء واحدة تنعكس كل المحيطات أو (أن ترى العالم في حبة رمل ) تأكيد على أن المايكرو والماكرو غير منفصلين – كل جزء يحتوي الحقيقة الكاملة ولكن بوجه معين. كذلك الأمر في بعض أشكال البوذية التانترية حيث ينظر إلى الجسد البشري بمراكزه (الشاكرات) كصورة للكون بطبقاته وممارسة التأمل بتخيل الإله داخل الإنسان (مبدأ الماندالا الداخلية) ما هي إلا انعكاس لمبدأ كما في الخارج كذلك في الداخل.</p><p>أما الهندوسية القديمة فعبرت عن الأمر بوصف علاقة الأتمان (الروح الفردية) بالبراهما (الروح </p><p>الكونية) – إذ يعتبر الأتمان جزء لا ينفصل عن براهما وبالتالي فمعرفة الذات تقود لمعرفة الكون. </p><p>وسنجد عبارة في الأوبنشاد مثل ( هذا الكائن الدقيق القابع في قلبك هو عينه الكائن الشاسع الذي يلف الكون) .</p><p>وفي المجمل يتبين لنا أن مختلف الحضارات توصلت عبر رمزيات متنوعة إلى فكرة وحدة البنية بين الأعلى والأدنى: سواء عبر الصور الفلسفية (الإنسان عالم صغير) أو التشبيهات الشعرية (السماء مرآة الأرض) أو العقائد الصوفية (ما في نفسك موجود في العالم). </p><p>ان هذه النظرة الشمولية تولد فهم سببي مختلف عن السببية الميكانيكية البحتة فهي سببية تقوم على الرمز والمراسلة حيث يكون الترابط الداخلي في الكون هو المفسر لتزامن الأحداث ومعانيها وفي الوقت الذي همشت فيه العلوم الحديثة هذا المنظور لتركيزها على </p><p>العلاقات المادية المباشرة فأن الاهتمام به استمر في علوم الإنسان والرمز وعاد للظهور حديثا في دراسات نفسية (مثل مفهوم التزامنية لدى كارل يونغ التي تصف (مصادفات) ذات مغزى تربط بين حالات نفسية وأحداث خارجية دون رابط سببي مباشر).</p><p>لكن يبقى التراث الهرمسي والتنجيمي التقليدي أحد أوضح التجليات المبكرة لفكرة التزامن الكوني هذه.</p><p>يقدم لنا القانون الهرمسي (كما فوق كذلك تحت ) رؤية مفادها أن الكون نسيج واحد تكتب فيه الأحداث بلغة الرموز والمراسلات عبر المستويات. وقد رأينا جذوره في حكمة هرمس القديمة التي جعلت من العالم كتاب مفتوح رموزه في السماء ومعانيه على الأرض. كما رأينا كيف تبنى المنجمون والفلاسفة عبر الحضارات هذه النظرة للتوفيق بين حتمية </p><p>القدر وحرية الإرادة: فالنجوم تنبئ ولا تتحكم وهي دلائل ضمن تصميم إلهي أشمل. </p><p>ان فهم (نظرية التزامن الكوني) بهذا الشكل يعيد الاعتبار لقراءة العالم بوصفه كلا حيا متصلا ويدعونا لتأمل أوجه التشابه بين أنظمة الوجود من المجرات إلى الذرات ومن السماوات إلى النفوس وكما قال القدماء ( من عرف نفسه عرف ربه) اذ أن معرفة العالم الأصغر (ذات الإنسان) طريق لمعرفة العالم الأكبر (الكون) وكلاهما مرايا تعكس نور الحكمة الإلهية الواحد.</p>
1 اعجاب
52 مشاهدة
0 رد
7 ساعة