في الرد على من زعم أن النجوم لا تدل إلا على أمرين وهما الواجب والممتنع وأما الممكن فلا
وهذه علة أخرى لبعض من زعم أن النجوم لا تدل إلا على أمرين:
الواجب والممتنع
أما الممكن فلا ومثلوا للواجب بكون النار حارة وللممتنع بطيران الفرس وزعموا أن الممكن كحركة الإنسان أو كتابته لا تدل عليه.
والجواب على ذلك هو أن الأشياء منها ما هو واجب ومنها ما هو ممتنع. فمن الواجب دوران الفلك بطبعه ومن الممتنع كون النار باردة بطبعها ومن الممكن كون الماء حاراً بالعرض لا بالطبع.
ونطق الإنسان ممكن بطبعه فممكن للإنسان أن ينطق الآن وأن يكون قد نطق فيما سلف، وأن ينطق في المستقبل ولكن وإن نطق في زمانين (الماضي والحاضر) فليس بواجب أن ينطق في المستقبل لأن ما هو واجب أو طبيعي للنوع يوجد في كل شخص من أشخاص ذلك النوع كطيران الطير فإنه يوجد في كل فرد من أفراده كقوة على الطيران. وأما ما هو ممكن للنوع فهو ممكن لكل فرد من أفراده. ومن هنا يظهر ما هو ممكن؛ فليس بواجب على الإنسان أن يغزل ولا هو ممتنع عليه؛ ولذا نرى بعض الناس يغزلون وبعضهم لا يفعل. وممكن لهذا المولود عند ولادته أن يكون ملكاً، وممكن لهذا الشخص نفسه ألا يكون ملكاً؛ فإذا لم يكن ملكاً كان من الممتنع أن يكون ملكاً؛ ولكن الممكن هو المتوسط بين الواجب والممتنع؛ وبين...
والوسط بين الواجب والممكن هو الحكم، فإذن هو ممكن وأحكام النجوم حق ونافعة لأنها طبيعية ومن ثم لم تكن سبباً بالعرض عما هو لها بالطبع. فليست الأحكام بباطلة كما زعم كثيرون؛ وبئس ما قال الذين زعموا أن الممكن لا وجود له، فإنا نرى عياناً أن الممكن كائن، وعلى هذا تكون أفعال الكواكب وأحكامها.
ومثال ذلك أنه من الواجب أن يكون هناك سحاب عند نزول المطر ومن الممتنع أن تمطر السماء ولا سحاب فيها لكن ليس من الواجب أن تمطر كلما وجد السحاب ولا هو من الممتنع أن يمطر أي سحاب كان بل الممكن هو أن يقع المطر من هذا السحاب والممكن أيضاً ألا يقع المطر من هذا السحاب نفسه.
فإذن الممكن كائن وأحكام النجوم ثابتة لأنك من حركات الأجرام العلوية وهيئاتها وتغيرات الهواء تستطيع أن تعلم أي سحاب يكون منه المطر وأي سحاب لا يكون كما سيأتي في مقالة تغير الأهوية.
وكذلك إذا كان في فم امرئ شيء مما يؤكل فالممكن أن يأكله ويبتلعه والممكن ألا يأكله ولا يبتلعه وهذا الممكن متردد بين الطرفين: أعني الواجب والممتنع فإنه إذ كان ممكناً له أن يأكل فإذا أكل صار ذلك الممكن واجباً بخروجه إلى الفعل فبطل كونه ممكناً وصار حقيقة في حد الواجب. وكذلك الممكن إذا لم يخرج إلى الفعل صار ممتنعاً ودخل في حد الممتنع وبطل كونه ممكناً. وهكذا الكواكب والأسطقسات تدل على الممكنات لا على الواجبات والممتنعات فحسب. فعلى المنجم أن يعلم الحقيقة ليخبر بالكوائن المستقبلة.