
قال القبيصي: زحل
كوكب ذكري نهاري، مظلم، بارد يابس يابساً مفرطاً وهو دليل:
الآباء
والأجداد وجميع الأسلاف الذين يستدل عليهم من البيت الرابع ولكن هذا بالعرض
لا بالطبع إذ هو بطبعه يختص بالدلالة على ذات المولود أو بدنه لأن أول ما يعرض
للإنسان هو ذاته التي بها قوام وجوده. وزحل في الفلك الأول من أفلاك الكواكب وهو
الكوكب الأول في رتبتها والذي تتلوه سائر الكواكب؛ وهو أيضاً أول من يعمل عمله في
الجنين بعد وقوع النطفة في الرحم، بقبضه وجمعه لتلك المادة التي يتصور منها
الجنين. فإن أعمال الكواكب الثابتة، التي هي الفاعل الأول، لا تظهر في هذه المواضع
عياناً، بل تظهر أعمال الكواكب السيّارة فقط التي هي الفاعل الثاني.
وأما
القبيصي وغيره ممن قالوا إن زحل هو الدليل على الآباء والأشياء القديمة
والثقيلة، فقد نظروا في ذلك إلى بطء حركته وثقله ورزانته؛ ولأجل ذلك جعلوه دليلاً
على الوالدين القدماء والأمور العتيقة والثقيلة، ولم يكن ذلك بغير سبب ملائم. وإذا
كان دليلاً في هيئة مولد ما وكان شرقياً وكان المولود نهارياً، فإنه
بجهد لا يبلغ المولود تمام عمره الطبيعي، ولكنه قد يصل إلى أول الشيخوخة التي
تبتدئ من السنة الستين فصاعداً، ما لم يمنع مانع خارج عن الطبع؛ كما نرى معظم
الناس يموتون قبل أوانهم المقدر، كالقتل بالحديد أو النار أو السقوط أو الهدم أو
الغرق وغير ذلك من الأسباب الكثيرة التي ليست من نظر الطبيعة ولا من قصدها، كما
سلف ذكره.
أما
إن كان شرقياً وكان المولود ليلياً فإنه يدل على أن حياة المولود تمتد إلى آخر
الشيخوخة، ما لم يمنع ما ذكرناه؛ وسنأتي على ذكر ذلك في مقالة المواليد. وقال إن
جملة ما يدل عليه هو من ثقل البرد واليبس المفرطين. ومن الأخلاط يدل على السوداء.
ومن أمزجة الأبدان يدل على المزاج السوداوي؛ وربما كانت تلك السوداء ممتزجة
بالبلغم؛ ويكون في بدن المولود رزانة وثقل، بحيث لا يكون خفيف المشية، ولا خفيف
الوثب، ولا يتعلم السباحة أو ما شاكلها مما يظهر خفة البدن؛ ويكون منتن الريح خبيث
الرائحة كأنها رائحة التيوس، ويجعل الناس كثر الأكل.
وإن
أحب الزحلي أحداً وهو ما يندر وقوعه أحبه بصدق ومودة. وإن أبغض شيئاً
فكثيراً ما يبغضه بغضاً نهائياً وقلما ينزع عن ذلك البغض أو لا ينزع أبداً. وقال
أبو معشر إنه إن كان في حظ جيد دل على غوص في العلم ورأي سديد وعميق لا
يكاد أحد يدرك غوره أو يزيد عليه. ومن الصنائع يدل على الأمور القديمة المتعبة
الثقيلة النفيسة، والأعمال المائية أو ما يكون قريباً من الماء كالأرحاء والجسور
والسفن وما أشبهها، واستخراج المياه، وفلاحة الأرض والمزارع، وغرس الأشجار، وبناء
الدور، ولا سيما دور المتعبدين الذين يلبسون الثياب السود، هذا إذا كان مستسعداً
وفي حظ حسن.
أما
إن كان منحوساً وفي حظ رديء فإنه يدل على الأمور القديمة الخسيسة
كالعزق والحفر وحفر الجفار الخسيسة وفي المواضع المنتنة وحمل الحجارة والجص على
الرقاب إلى الحوائط، ولا سيما الحوائط التي تحت الأرض أو أسوار المدن التي تبنى
عند الخنادق، وصناعة أشياء كثيرة مما يتخذ منها اللبن وما أشبهه. وغالباً ما يعيش
هؤلاء في تعب وضيق وفقر، ويأكلون الرديء من الطعام والمنتن. وقال القبيصي إن له دلالة
الملاحين الأدنياء إن كان رديء الحال. أما إن كان حسن الحال فإنه يدل على الملاحين
العظام والأغنياء، أولئك الذين يثرون من كسب الملاحة؛ ويكون [المولود] ذا مودة
صادقة، واسع الصدر، صبوراً. وإن كان زحل رديء الحال كان المولود طائشاً، حزيناً،
مغموماً، سيء الظن يسعى في توهم كل شر؛ وفي تهييج الناس بالوساوس والتحريضات
الخبيثة. وإن كان حسن الحال دل على الأشياء القديمة والباقية كالمواريث التي تأتي
من جهات شتى، ولا سيما من الموتى، والضياع التي تكتسب بالوجه المحمود لا بالوجه
المذموم.
أما
إن كان رديء الحال دل على أن المولود يستعمل المياه الفاسدة والقذرة والآجامية
والنتنة والقديمة التي طال مكثها في مكان واحد كما في البرك وما أشبهها، ومياه
كريهة الطعم ومتغيرة، ولا يكره شربها؛ ويطيب له المقام في الآجام أو بالقرب منها،
ويأكل السمك الفاسد واللحم المنتن، ولا يبدو عليه التأذي من ذلك. وله من الأمراض
دلالة على الصرع أو الداء الساقط؛ ويدل على الأمراض البلغمية والسوداوية والجامدة
الصلبة الأرضية المتراكمة؛ وبالجملة يدل على الأمراض التي لا تبرأ كالجذام والبرص
والبهق والناصور العميق والغائر والصلب وفي مواضع الأعصاب وغيرها من العِلل
المشابهة. ويدل على أن هذه الأمراض تعرض للمولود متى كان زحل هو الدليل
وكان على تلك الحال.
وفي
مسائل الأمراض يدل غالباً على العِلل المزمنة والمتعبة؛ وقلما يكون الأمر، حين
يكون رديء الحال وهو دليل السفر، إلا ويكون السفر متعباً وعسراً وشبه غير
مقدور عليه؛ ويدل على السجون الشديدة والخشونة. وله دلالة على أخذ الرهائن الذين
يرتهن بعضهم بعضاً في الحفظ، لكنه لا يبالي كثيراً بالإصلاح بينهم. ويدل على ثقل
البدن والبطء والتعب وغم النفس والخواطر الرديئة؛ وأموال الموتى الباقية خلفهم،
والآباء والأجداد والإخوة الأسنّ من المولود، والعبيد والخصيان والأشخاص الأدنياء.
وإن كان زحل وحده هو الدليل في هيئة مولد ما، ولم يمازجه غيره، فإن
صنعة المولود الطبيعية تكون دباغة الجلود والعمل فيها.
في
امتزاج زحل مع المشتري وغيره من الكواكب
فإذا
اتصل به المشتري دل على عمل القراطيس التي تكتب فيها كتب الكنائس والكلمات الإلهية
وما يبحث في الألوهية والتي تكتب فيها الأقوال في الأمور العلوية والسماوية كأحكام
النجوم النظرية منها والعملية وكل الفنون اللطيفة وأحكام القوانين وما شاكلها.
وإن
اتصل به الشمس دل على عمل الجلود التي تُجمع وتُضم لصنع الفراء والنعال وما
أشبهها.
وإن
اتصل به المريخ دل على الأعمال التي تصنع منها الطبول والصنوج وكل الآلات التي
تُتخذ للأصوات المطربة واللعب.
وإن
اتصل به الزهرة دل على عمل الجلود أعني الرق الذي تكتب فيه الكتب والمراسلات التي
تخلد للذكرى الدائمة وهكذا والوصايا وصكوك الشراء والبيع وما شاكلها؛ والرقوق التي
تُكتب فيها حسابات النفقات مما يكون في دواوين العظماء والأغنياء وغيرهم ممن
يرغبون في حفظ ذكر نفقاتهم، والتي تُكتب فيها حسابات التجار والصيارفة وما أشبه
ذلك.
وإن
اتصل به القمر دل على صنعة الجلود أو تهيئتها من حيوانات الوحش وكذلك الأنعام
الميتة وما شاكلها. فمن أجل ذلك إن أراد المولود أن يعمل في صناعة الجلود فاحكم له
بحسب ما تراه من مزاج زحل مع كوكب من الكواكب، وبحسب ذلك الوجه فليباشر أعمال
الجلود.
وله
من النحل والدلائل الملة اليهودية أعني العهد القديم وكل ملة تقر بالتوحيد. فإن
كان رديء الحال دل على اعتقاد التوحيد مع تردد أو شك كثير. وقال ماشاء الله، وكان
من أمهر المنجمين وأنفذهم بصيرة في هذا العلم إنما دل على الملة اليهودية لأنها من
أقدم الملل ولا توجد شريعة موضوعة أقدم منها وكل الشرائع والنحل الأخرى تقر بها،
وهي لا تقر بشريعة أخرى، ولا تقر بنحلة، كما أن سائر الكواكب تتصل بزحل وهو لا
يتصل بكوكب غيره.
وله
من الثياب السود والذين يلبسون الثياب السود بطباعهم سواء كانوا من المتعبدين وأهل
الصوامع أو غيرهم. ومن الجواهر يدل على الحديد والرصاص. وقال أبو بكر [الحسن بن
الخصيب] إنه يدل على باطن الأذن والطحال والمعدة. وله من الألوان الأسود. ومن
الطعوم العفوصة والحموضة. ومن الأيام السبت، ومن الليالي ليلة الأربعاء. ومقدار
جرمه تسع درجات.
وسنُو
فِردارِيَّتِهِ أحد عشر عاماً. والسنون العظمى له أربعمائة وأربعة وستون عاماً.
والكبرى سبعة وخمسون. والوسطى ثلاثة وأربعون ونصف. والصغرى ثلاثون. وإنما قيل إن
سنيه الكبرى سبعة وخمسون لأنها تُعتبر بحسب مقدار درجات الحدود التي تقع له في
حدوده في درجات البروج الاثني عشر. والوسطى قيل إنها ثلاثة وأربعون ونصف
لأنها تُعتبر بحسب جمع سنيه الكبرى مع الصغرى، ومجموعهما سبعة وثمانون، ونصفها
ثلاثة وأربعون ونصف. والصغرى تُعتبر من بطء سيره لأنه يتم دورته في ثلاثين سنة،
ومن هنالك أخذت سنوه الصغرى عددها وهو ثلاثون. وقوته في نواحي الفلك تكون في
الجهات الشمالية.
وقال
ماشاء الله إن زحل يدل من صور الناس على رجل مائل إلى السواد والصفرة، إذا مشى غض
بصره نحو الأرض برزانة، ويقارب بين قدميه في مشيه وفيهما انحناء؛ صغير العينين،
يابس الجلد، كثير العصب، رقيق اللحية في العارضين، غليظ الشفتين؛ وهو مكار، ذكي،
خدّاع، قتّال ولا سيما في الخفاء.
وقال
دوروثيوس إنه يدل على رجل كثير شعر الجسد مقرون الحاجبين. وله من الأجزاء جزء
القوة والثبات. ويدل على قضايا الأرضين والمواريث، والقائمين بالأعمال، والجسارة
والتعب والحيل وأسباب الموت.
وقال
آديلا إن زحل يجعل الرجل أسمر، قليل شعر اللحية، قبيح المنظر، يكثر العمل في
الماء، رزيناً، كسلاناً، لا يضحك أبداً أو يضحك نادراً. والذين يكون زحل مسلطاً
عليهم، أعني الذين هو دليلهم، كثيراً ما يعرض لهم تشقق في الأعقاب وهو ما
يسميه العامة "قشفاً"؛ ويجعل الرجل أزرق العينين، وربما جعل الصدر
نحيفاً والشعر خشناً وغير مسرّح، ويأمر أتباعه بلبس الثياب القبيحة ولا سيما
السوداء، ويظهر ذلك في عواقب الأمور؛ لأن الزحليين يظهر عليهم الحزن وسوء
النية.
فإذا
أردت أن تحكم بشيء في شأن شخص زحلي، سواء كان ذلك في خارطة مولده أو
في مسألته، فانظر فيما سلف ذكره، وبحسب ذلك تقضي في حكمك.
وإن
سأل سائل لِمَ اختص زحل بهذه الدلالات وتلك التأثيرات، مع أن هذا النظر قد يُظن
أنه من علم الطبائع أكثر مما هو من صناعة الأحكام؛ فالعلة في ذلك تُنسب إلى أن
حركة الفلك الثامن من المشرق إلى المغرب تُدرك لا على ماهيتها، بل بحسب استعداد
جِرمها للتحرك. ويقال إن لها محركاً من خارج، وهو كما رأى البعض "العلة
الأولى". أما الكواكب السيارة فحركتها من المغرب إلى المشرق، خلاف حركة الفلك
الأول أو الفلك الثامن. ويقال إن لها محركاً من داخل وهو "العقل" كما
ذهب إليه بعضهم. ومن هذا تقع المنافرة والمضادة والمباينة والعداوة، ومنها ينبع
البغض والشر؛ ولما كان زحل هو الأقرب إلى تلك المضادة، كان أشد دلالة عليها من
سائر الكواكب البعيدة عن تلك المنافرة.
من كتب جيدو بوناتي