التنجيم يتطور .. لا يبقى على حاله
مناضل المختار
علم احكام النجوم او التنجيم حالة كحال كل العلوم لم يبق كما هو منذ ظهوره منذ الاف السنين فمن لاحظ احكامه وقواعده في مختلف العصور سوف يلاحظ تطور واضح به يكون دائما حسب العلوم المكتشفة والتي يمكن استخدامها فيه .
فمن الاف الالواح الطينية التي اكتشفت في مكتبة اشور بانيبال كانت مواضيع التنجيم هي الاشمل فيقول ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة ( من الألواح التي وجدت كتب في التنجيم � ومنها ما هو قوائم في الفأل السماوي منه والأرضي، وإلى جانبها إرشادات عديدة تهدي إلى طريقة قراءتها) كما نجده يقول ايضا عن ابرز علوم البابلين ( كان الفلك هو العلم الذي امتاز به البابليون، وهو الذي اشتهروا به في العالم القديم كله. وهنا أيضاً كان السحر منشأ العلم، فلم يدرس البابليون النجوم ليرسموا الخرائط التي تعين على مسير القوافل والسفن، بل درسوها أكثر ما درسوها لتعينهم على التنبؤ بمستقبل الناس ومصائرهم، وبذلك كانوا منجمين أكثر منهم فلكيين. وكان كل كوكب من الكواكب إلهاً تهمه شئون الناس ولا غنى عنه في تدبيرها. فكان المشتري مردك، وعطارد نابو، والمريخ نرجال، والشمس شمش، والقمر سِنْ، وزحل نبيب، والزهرة إشتار. وكانت كل حركة من حركات كل نجم أو كوكب تدل على أن حادثاً وقع على الأرض أو تتنبأ بوقوعه. فإذا كان القمر منخفضاً مثلاً، كان معنى ذلك أن أمة بعيدة ستخضع للملك، وإذا كان هلالاً كان معناه أن الملك سيظفر بأعدائه. وأضحت الجهود التي تبذل لاستخلاص العلم بالمستقبل من حركات النجوم شهوة من شهوات البابليين، استطاع بها الكهنة الخبيرون بالتنجيم أن يجنوا أطيب الثمرات من الملوك والشعب على السواء. وكان من هؤلاء الكهنة من هو مخلص لعلمه مؤمن به، ينقب بغيرة وحماسة في المجلدات التي تبحث في التنجيم، والتي وضعت، حسب رواياتهم المأثورة، في عهد سرجون ملك أكد. وكانوا يشكون من الدجالين الذين يسيرون بين الناس يقرءون لهم طوالعهم أو يتنبئون بما سيكون عليه الجو بعد عام شأن تقويمنا في هذه الأيام، كل هذا نظير أجور يتقاضونها وهم لم يدرسوا من التنجيم شيئاً(149).
ونشأ علم الفلك نشأة بطيئة من هذه الأرصاد ومن خرائط النجوم التي كانت تهدف إلى التنجيم والتنبؤ بالغيب. وقد استطاعوا منذ عام 2000 ق.م أن يسجلوا بدقة شروق الزهرة وغروبها بالنسبة إلى الشمس، وحددوا مواضع عدة نجوم، وأخذوا يصورون السماء على مهل(150). فلما فتح الكاشيون بلاد بابل توقف هذا التقدم نحو ألف عام. ثم واصلوه من جديد في عهد نبوخد نصر، فصور العلماء الكهنة مسارات الشمس والقمر، ولاحظوا اقترانهما كما لاحظوا
الخسوف والكسوف، وعينوا مسارات الكواكب، وكانوا أول من ميز النجوم الثوابت من الكواكب السيارة تمييزاً دقيقاً ، وحددوا تاريخ الانقلابين الشتائي والصيفي، وتاريخي الاعتدالين الربيعي والخريفي؛ وساروا على النهج الذي سبقهم إليه السومريون فقسموا دائرة فلك البروج (أي مسار الأرض حول الشمس) إلى الأبراج الاثنى عشر. وبعد أن قسموا الدائرة إلى 360 درجة عادوا فقسموا الدرجة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية(152). وكانوا يقدرون الزمن بالساعة المائية والمزولة، واكبر الظن أنهم لم يعملوا على ترقية هاتين الآلتين فحسب بل إنهم اخترعوهما اختراعاً(153).
وقسموا السنة إلى اثني عشر شهراً قمرياً، منها ستة في كل منها ثلاثون يوماً والستة الأخرى في كل منها تسعة وعشرون. ولما كان مجموع أيامهما على هذا الحساب لا يبلغ إلا 354 يوماً فإنهم كانوا يضيفون في بعض السنين شهراً آخر لكي يتفق تقويمهم مع الفصول. وقسموا الشهر إلى أربعة أسابيع تتفق مع أوجه القمر الأربعة. وحاولوا أن يتخذوا لهم تقويماً أسهل من هذا بأن قسموا الشهر إلى ستة أسابيع كل منها خمسة أيام؛ ولكن ثبت بعد إذ أن ُوجد القمر أقوى أثراً من رغبات الناس، وبقي التقسيم الأول كما كان. ولم يكونوا يحسبون اليوم من منتصف الليلة إلى منتصف الليلة التي تليها، بل كان عندهم من شروق القمر إلى شروقه التالي(154)، وقسموا هذه المدة إلى اثنتي عشرة ساعة، في كل ساعة منها ثلاثون دقيقة، وبذلك كان طول الدقيقة البابلية أربعة أضعاف ما قد يوحي إلينا اسمها. إذن فتقسيم الشهر عندنا إلى أربعة أسابيع، وتقسيم أوجه ساعاتنا
إلى اثنتي عشرة ساعة (لا إلى أربع وعشرين) وتقسيم الساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، كل هذه آثار بابلية لا شك فيها باقية من أيامهم إلى عهدنا الحاضر ، وإن كان هذا لا يخطر لنا على بال. )
ولكن من المؤكد ان كل هذا لم يكن في وقت واحد بل تطور على مراحل نلاحظها كما قلنا بالتغييرات في قواعد واحكام النجوم فمن اطلع على بعض المصادر البابليه سوف يشاهد اعتماد كامل على التنجيم المرئي والذي نقصد به الاعتماد على العين المجردة في النظر لمواقع الكواكب وشروقها وغروبها وموضعها من الشمس وانخفاضها وارتفاعها فلم تكن للبروج اي تصرف في هذا الامر قبل الالف الثاني للميلاد بل كان الاعتماد فقط عل
ى مواضع الكواكب والشمس والقمر .
ويبدوا ان ظهور اي شيء وتطوره يلزم له مئات وربما الاف السنين فعندما قدم الهنود الى بلاط ابو جعفر المنصور حاملين معهم ارقامهم الهنديه لم يعتمدها العرب الا بعد مئات السنين فقد كتب البيروني الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي كل كتبه تقريبا بأتباع النظام القديم بكتابه الارقام وهو الحروف فبعد اربع قرون على معرفة العرب بالارقام الهنديه لم تشتهر لديهم بسرعه بل لزم الامر الكثير من الوقت ، كذلك الامر في كل العلوم فصعوبة وسائل الاتصال في العالم القديم والميل لاتباع التقليد جعل بعض التطورات تحتاج مئات والاف السنين كما قلنا ، فالصور والتماثيل والرقوم والبرادي في الحضارة السومرية والبابليه والمصرية تظهر لنا تركيز واضح على الكواكب والشمس والقمر ولا تظهر دائرة البروج الا بعد الالف الثاني قبل الميلاد وبهذا يتضح سبب اعتماد بطليموس شبه الكامل على مواضع الكواكب في كتابه المقالات الاربعة فبعد ثلاثة الاف سنة من اكتشاف البروج لم تشتهر كثيرا في زمن بطليموس الذي عاش في القرن الاول الميلادي وكذلك الامر في كتب ذورثيوس وفاليس الرومي وغيرهم من اعلام هذا العلم في القرون الميلاديه الاولى ، فكان الاعتماد على الكواكب طاغي في تلك الفترة ولكن نرى تطور واضح بعد هذا وصل للعرب في بداية ترجمتهم للكتب السريانيه في بداية العصر العباسي اذ يتضح تغلغل البروج بصورة اكبر ويبدوا ان الفرس والسريان ركزوا على البروج اكثر وبهذا نرى الكتب العربية الاولى تركز على مواضع الكواكب في البروج تحديدا وللاسف لم يتطور التنجيم كثيرا في العصر العربي اذ نلاحظ اعتمادهم نفس الطريقة منذ بداية هذا العصر الى ان انتهى رغم تطوير بعض التقنيات التي لم يعرفها المنجمين سابقا كمثل
التحاويل
في الحقيقة هذه التقنيه لم تكن معروفة في العصور الاولى كمثل العصر البابلي او الهيليني او حتى الفارسي او السرياني ويبدوا انها تكونت بفعل العرب تحديدا بعد تطور الفلك كثيرا في عهدهم الذي تمكن من حساب موقع الشمس بالدرجة والدقيقة في اي فترة كانت اذن يمكن القول ان التنجيم يتبع الممكن من الاحداث وما لا يمكن حسابه يخترع له المنجمين طرق استدلاليه خاصة بهم فقط .
المسائل
ربما يغيب هذا الفرع في العصور الهيلينيه فلم تكتشف الكثير من الكتب التي تهتم بهذا الفرع وربما عززه وطوره السريان اثناء حملهم رايه العلوم في القرون الميلاديه الاولى وبعد انشغال الرومان والفرس بالحروب وهجرهم العلوم ليطورها السريان ، ويمكن تحسس هذا في كتابات العرب التي تنسب الكثير من قواعد المسائل لمن لا يعرف انه اهتم بها كمثل بطليموس وفاليس الا ان وجدت كتب لهم لم تصلنا ولم نعرفها وربما نسب السريان الكثير من القواعد الاحكاميه لعلماء هذا المجال اليونان كعادة البشر فقد نسبوا كتاب اثلوجيا لارسطوا لانه يتحدث عن الفلسفه رغم اكتشاف عدم كتابة ارسطو لهذا الكتاب الذي يبتعد كثيرا عن منهجه الفلسفي وكان كاتبه افلوطين الذي حاول مزج الفلسفه الافلاطونية بالكثير من المفاهيم المسيحية وكذلك نسبوا كتاب الثمرة لبطليموس رغم عدم اهتمام بطليموس باي فرع من فروع المسائل وهجره لها ورفضه على قول ابن ابي الرجال ونسبوا الكثير من الكتب لهرمس والتي يقول بعض الدارسين انها منسوبه له وليست اصليه ، اذن الانسان يحاول نسب الكتاب لاشهر من اتبع هذه الطريقة ان جهل مؤلفه او كان مؤلفه ليس بالشهرة الكبيرة ، لذا ولعدم التركيز في العصر الهيليني على المسائل والتركيز الكبير عليه في العصر العربي الذي ترجمت ابرز كتبه من السريانيه يمكن القول ان هذا الفرع سرياني بحت .
كذلك يمكن توقع ظهور الكثير من التقنيات حسب ظهور العلم الذي يساعد هذه التقنيه فلم يكن التركيز الكبير على البروج وطرق تقسيمها الا بعد ان طور اقليدس الهندسة ووضع لها ثوابت ادخلت في علم الفلك والتنجيم ايضا ولم يكن هناك تركيز كبير على الرياضيات من قبل اليونان الا بعد تركيز فيثاغورس عليها وانشاء مذهب او دين كامل يعتمد على الارقام وسر الرياضيات ، لذا يمكن معرفة تواريخ الكثير من التقنيات كما قلنا حسب العلم الذي كان يشتهر ويوجد فيمكن القول ان التسيير ظهر اولا في العصر البابلي وطوره اليونان لان له بدايه مرئية ونهاية هندسية ويمكن القول ان الفردار طور من قبل الفرس لان اسمه دال عليه وهو اسم فارسي كذلك لم نرى له وجود في العصور الهيلينيه او الرومانيه الاولى اما الانتهاء فهو اقدم كثيرا من الفردار لوجود شواهد عليه في بدايات القرون الميلاديه ، وقد يكون اقدم فروع التنجيم هو التنجيم الدولي لان المنجمين كان تركيزهم عليه لاهتمام اولا ونرى شواهد له في اثار سومريه وبابليه قديمة .
السهام
ذكر بطليموس السهام وهذا يدل على ظهورها في العصر الهيليني ولكنه لم يذكر سوى سهمين وهما سهم السعادة وسهم الغيب ولكن العرب طوروا هذه السهام واستخرجوا الكثير منها ويمكن اعتبار هذا الامر تطور للتنجيم ايضا
اذن تقنيات هذا العلم ومفهومه تطور مع الزم
ن ليتجه الان للتركيز على البروج واظهار قواعد وشواهد كثيره في الهيئه الفلكية للوصول للمصداقية ، ويمكن ان نحدد التطور الاخير للتنجيم بظهور مورينوس الذي حاول تطوير قواعد واحكام التنجيم بصورة اكثر دقه واقرب للحقيقة وان حاول انتهاج طريقة التأثير ونفي الكثير من القواعد التي تعتمد مبدأ الدلالة ولا وجود فعلي لها .
كما ان اكتشاف الكواكب اورانوس ونبتون وبلوتو تطور مهم جدا للتنجيم وضمها للهيئه الفلكية حاله كحال كل تطورات التنجيم يلزم لها الكثير من الوقت لذا نرى الكثير من ممارسي هذا العلم لا يتلزمون بهذه الكواكب الان ولكن اتوقع ان تكون من القواعد المهمة في المستقبل كحال اغلب التقنيان التي دخلت بصورة بطيئة دائما ومن الممكن القول ان التنجيم في المستقبل سوف يدخل الكويكبات بصورة كبيرة ايضا وربما دخلت المجرات والسدم بصورة اكبر واوضح وحسب الاكتشافات الفلكية التي يحورها المنجمين لصالحهم وكلما اكتشف الانسان شيء يحاول علماء كل المجالات ضم هذا الاكتشاف لعلمهم ولا يتخلف المنجمين عن ذلك .