مناضل المختار
في الفلسفة التقليدية الهيلينستية والعربية الزمن ليس خطا متجانسا متساوي اللحظات كما يتصوره الفهم الحديث. الزمن كيفي لا كمي فساعة زحل ليست هي ساعة الزهرة حتى لو كانت كلتاهما 60 دقيقة بالقياس الحديث فلكل ساعة طبيعة وصبغة وروح.
فاذا كنا ننظر للطالع كفكرة طلعت فهذا يفترض ان للحظة الطلوع جوهرا وطبيعة. والساعة هي الجو الذي تطلع فيه الفكرة. فمثلما لا يمكن فصل البذرة عن التربة التي تنبت فيها فلا يمكن فصل الفكرة عن الزمن الذي ولدت فيه فالطالع هو ما طلع والساعة هي اللحظة التي طلع فيها كنوعية مميزة.
ففي النظام الكلداني لترتيب الكواكب تتداول الكواكب الحكم على الزمن في دورات دورة في اسبوع لحاكم اليوم ودورة في يوم وليلة لحاكم الساعة فالساعة هي النوبة الحالية لكوكب معين وكأن السماء سوق كبير يفتتحه كل كوكب بدوره فمن دخل في وقت زحل فقد دخل تحت ولايته ومن دخل في وقت الزهرة فقد دخل في حضن دلالاتها.
وهذه فكرة جوهرية فالسائل يدخل عالم السؤال من باب حاكم الساعة فهو ليس داخلا الى السماء كاملة دفعة واحدة بل من بوابة كوكب معين هو المناوب في تلك اللحظة ولذلك تجد جيدو بوناتي يقول ان حاكم الساعة يستقبل السائل ويعطيه طابع الزمن الذي يأتي فيه.
فمن هذه الزاوية الساعة ترمز الى حاضن الفكرة الزمني فان كان الطالع هو (انا في فكرتي) والثاني (ما املك) والعاشر ( اعلى ما في سؤالي ) فالساعة هي ( الزمن الذي اعيش فيه هذه الفكرة) واللون الذي يصبغ خروجها من الباطن الى الظاهر.
ثنائية الطالع والساعة - الفكرة ونفسها
السؤال بالمسئلة يطلع كما تطلع درجة الطالع من باطن الأرض فاذا كان الطالع هو ما طلع فالساعة هي النفس الذي حمله للخارج فالفكرة لا تنبثق من الداخل في فراغ بل تنبثق وهي تتنفس هواء الزمن وهذا الهواء هو حاكم الساعة.
ولذلك فالطالع وحده لا يكفي لتفسير لحظة الفكرة فالطالع يخبرك ماذا طلع وكيف طلع (طبيعة البرج وحال الكوكب والكواكب التي تنظره) اما الساعة فتخبرك في اي مزاج زمني طلع.
فساعة زحل مثلا تجعل الفكرة تطلع وعليها ثقل الجدية والحدود وساعة الزهرة تجعلها تطلع وعليها مودة ولين وساعة المريخ تجعلها تطلع وعليها حدة. فالفكرة نفسها قد لا تتغير ولكن حضورها في العالم يتلون بلون الساعة.
وفي فلسفة الخارطة الفكرية السائل ممثل بالطالع وله مدلولاته في كل البيوت ولكن السائل ليس فقط في خارطته السماوية الفعلية بل في زمنه ايضا وهنا تأتي الساعة كبعد اضافي للسائل فهي تمثل الحالة الزمنية للسائل في لحظة سؤاله فاذا كان حاكم الطالع كوكب وحاكم الساعة كوكب اخر متفقان معا في المثلثة او الطبيعة فهذا يعني ان السائل في زمنه الطبيعي وفكرته وزمنها متجانسان اي السؤال نابع من حال حقيقية له نضجت في وقتها اما اذا اختلفا اختلافا تاما فالسائل في زمن غريب عن طبيعته اي سؤاله طارئ او ينبت في وقت غير مناسب له او ان ما يسأل عنه ليس متناغم مع جوهر اللحظة الذي يعيشه.
هذا يفسر لماذا اعتبر بوناتي توافق الساعة مع الطالع دلالة على اصالة المسألة (ليس لأنها قاعدة اصالة بحد ذاتها) بل لان التوافق دلالة على ان السائل في لحظته الطبيعية وان فكرته نضجت في زمنها.
فالكواكب الفعلية في السماء تتحرك بمواقعها المتغيرة ( زحل اليوم في برج وغدا قد ينتقل لأخر بعد سنتين ونصف ) اما ساعة الكوكب فحساب رمزي ثابت لا يتغير بحركة الكوكب الفعلية فساعة زحل تأتي كل اسبوع في وقت محدد بصرف النظر عن مكان زحل الفلكي وهذا الفصل بين المستويين له معنى عميق:
الكواكب الفعلية تدل على القوى الفاعلة في السماء ( الفاعلين النشطين الذين يدلون على ما يجري) اما الساعات فتمثل الترتيب الرمزي/النمطي للزمن )النظام الثابت الذي يقسم الزمن وينسبه للكواكب على وجه ثابت) ومن هذه الزاوية للساعة بعد معماري للكون فهي الهيكل الزمني الذي تجري عليه احداث الكواكب الفاعلة ومثل هذه الفكرة موجودة في فكر اخوان الصفا والكندي وابن سينا حول التراتب بين العقول والنفوس والافلاك فالساعة هي الهيكل والكواكب الفعلية الفاعلون فيه.
فاذا قبلنا هذه الفلسفة فان قراءة الساعة في المسألة ستختلف فهي ليست مجرد فحص لأصالة السؤال بل فهم لـ:
1- مزاج الزمن الذي يعيشه السائل فساعة زحل تخبرك ان السؤال يأتي في زمن جدي فيه ثقل وله صلة بالماضي والحدود والقيود حتى لو لم يكن الطالع زحليا فالسائل في زمن زحلي بشكل عام.
2- الكوكب الذي يستلم الفكرة عند خروجها فالساعة هي اول كوكب يلامس الفكرة الخارجة من الباطن فان كان حاكم الساعة من السعود فالفكرة تخرج تحت رعاية حسنة وان كان من النحوس فقد تخرج وعلى ظهرها ثقل النحس وبصرف النظر عن جودة الادلة الأخرى وهذا يفسر لماذا يمدح بوناتي المسائل ان تكون بحاكم الساعة من جنس الطالع وقويا.
3- صلة السؤال بالأدوار الكونية: فالسؤال الذي يأتي في ساعة الزهرة عن زواج هو سؤال في وقته لان الزهرة من طبيعتها الزواج فالسؤال يطلب دورها الطبيعي اما من يسأل عن حرب في ساعة الزهرة فهو يطلب امرا خارج طبيعة الدور وهذا قد يدل على ان الحرب ليست في وقتها او ان السائل لا يقع في طبيعة الحدث الذي يسأل عنه.
4- التزامن مع الواقع المعاش فالساعة هي اقرب الادلة الى اللحظة الحاضرة الراهنة والقمر دليل عام لكل شيء وحاكم الطالع دليل السائل اما الساعة فدليل اللحظة بحد ذاتها ولذلك من يتعمق في تنجيم الساعات يتعامل معها كنبضة الزمن الفعلية وما الذي ينطق به الزمن نفسه عند طرح السؤال.
5- كل ما قلته اعلاه ينبني على افتراض رمزي واحد جوهري: ان حساب الساعة (الذي هو حساب رياضي رمزي) يحمل دلالة حقيقية على نوعية اللحظة. هذا الافتراض ليس بديهيا ولا يمكن البرهنة عليه بالتجربة بشكل قاطع لان الساعة ليست ظاهرة فلكية مرصودة بل تقسيما رمزيا اخترع منذ البابليين والكلدان.
الخلاصة اذا كان الطالع هو انا في فكرتي فالساعة هي اللحظة التي اسأل فيها.
الطالع ذاتي والساعة زمني والطالع ما خرج من باطني والساعة هواء العالم الذي خرج فيه. الطالع وجه الفكرة والساعة ملامح اللحظة التي حملت الوجه الى الخارج. الطالع يخبرك ما الذي يطلع والساعة تخبرك في اي زمن يطلع وهل هذا الزمن من جنس فكرتي ام غريب عنها.
ولذلك صح القول ان الاصالة مظهر ثانوي لمعنى اعمق ان السائل في لحظته الحقيقية وان فكرته جاءت في زمنها الطبيعي فاتفقت ذاته مع وقته وكلما اتفقت الذات والوقت كان السؤال اقرب الى جوهره والاجابة اقرب الى صدقها.

التعليقات 0
سجل دخولك لاضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن اول من يعلق!