مناضل المختار

بين القدر والإرادة: لماذا لا تتحقق التوقعات احيانا؟

 

 

 يناقش علماء علم النجوم منذ القدم مسألة عدم تحقق بعض الأحداث المتوقعة رغم وجود ادلة فلكية قوية عليها. وأشار العلماء قديما وحديثا إلى أسباب متعددة لهذا تتراوح بين اعتبارات فلكية تقنية وبين عوامل بشرية وإرادية. فيما يلي تحليل لأبرز تلك الأسباب بالاستناد إلى مرجعيات تقليدية (مثل أبو معشر) وحديثة (مثل ألكساندر فولجين وأنتوني لويس).

 

الادلة الفلكية المؤثرة

 

هناك شرط أساسي في التنجيم يعرف ب (تعدد الشواهد) أي ضرورة تضافر أكثر من مؤشر فلكي لحدوث حدث ما فمرور كوكب (بعبور) بمفرده قد لا يكفي لتوقع حدث كبير ما لم يدعمه تحول سنوي أو تسيير أو تقنيات توقع أخرى. ويوضح بعض علماء هذا المجال المعاصرين أن التحويل السنوي يعمل كمرشح لما ينبثق من هيئة الميلاد.

فأذا كانت ظروف التحويل السنوي مناقضة لما ينبئ به العبور فقد يتعطل الحدث أو لا يحدث بالصورة المتوقعة أما إذا كانت الظروف مواتية جدا فربما يأتي الحدث بصورة أقوى مما تشير إليه خارطة الميلاد وحدها وبالمثل يشير عالم اخر إلى أننا بحاجة لفحص “الظروف الواقعية” المرافقة لكل فترة زمنية لفهم ما إذا كان الوعد الأصلي في خارطة الميلاد سيحصب أم لا. 

من جهة أخرى قد تتعارض بعض الادلة الفلكية فيما بينها فمثلا قد يشير عبور كوكب سعيد إلى فرصة إيجابية في حين يتزامن معه عبور كوكب نحس قوي يضعف هذه الفرصة أو يؤخرها وكذلك حالة الكوكب العابر نفسه يدل فأن كان واقع تحت حالة سلبية (كالتراجع أو الاحتراق أو اتصالات عداوة) فقد لا يثمر الحدث المتوقع أو يأتي بنسخة مخففة. 

خلاصة القول أن تحقق الدلالة مرهون بميزان القوى الفلكية في تلك الفترة فإن طغت الموانع على المؤشرات الإيجابية تضاءلت فرص حدوث الحدث.

 

 دقة وقت الميلاد

يعتبر وقت الميلاد حجر الأساس في أي توقع فلكي فأي خطأ بسيط في تسجيل ساعة الولادة يمكن أن يؤدي إلى انحراف في توقعات العبور والتحويل السنوي مثلا اختلاف بضعة دقائق قد يغير درجة الطالع في خارطة الميلاد مما يعني تغير البيوت الفلكية التي سيقع فيها عبور الكواكب مستقبلا والتحويل السنوي شديد الحساسية لدقة وقت الميلاد فهو يحسب للحظة عودة الشمس إلى مكانها وقت الميلاد وأي انحراف زمني يغير طالع الخارطة السنوية وبيوتها لذا يؤكد المنجمون أنه (من المهم معرفة وقت الميلاد الدقيق ) لأن هامش الخطأ في خارطة التحويل السنوي حساس جدا لدقة وقت الميلاد. 

فأذا كانت بيانات الميلاد غير صحيحة قد تنسب الأحداث إلى بيوت أو أوقات خاطئة مما يفسر عدم تحقق التوقعات. ومن هنا ظهرت تقنية (تصحيح وقت الميلاد) (النمودار) لضبط الوقت حسب أحداث حياة صاحب الخارطة بهدف تحسين موثوقية التنبؤات المستقبلية.

 

العلاقة بين التحاويل ووعد خارطة الميلاد

تاريخيا شدد الاحكاميين على أن خارطة ميلاد الشخص تحتوي على “الوعد” أو الإمكانات الأساسية لحياته. التحاويل السنوية أو العبور ما هي إلا مفعلات توقيتية لتلك الإمكانات الكامنة. 

بكلمات أخرى: لن يحدث للانسات إلا ما كان موعودا له في خارطة ميلاده ويروى هذا المبدأ في كتب التنجيم عبر عبارة: (فقط ما كان وعده في الميلاد يمكن أن يتحقق). مثلا قد يفسر طالع التحويل السنوي في بيت الزواج أو عبور المشتري بأنه دليل على زواج وشيك لكن هذا الحدث لن يحصل ما لم تكن خارطة الميلاد نفسها تحمل دلالة الزواج في حياة هذا الشخص وكما يذكر أنتوني لويس ناقلا حكمة تقليدية فإن خارطة الميلاد ترسم حدود ما يمكن أن يحدث بحيث “لا يحدث شيء في حياة الانسان إلا وهو مشار إليه بشكل ما في خارطة ميلاده”. 

وبناء على ذلك عند تحليل أي عبور أو تحويل لا بد من الرجوع إلى خارطة الميلاد والتأكد من وجود “وعد” بذلك الحدث أصلاً.

 ألكساندر فولجين في منهجه الحديث للتحويل السنوي تبنى نفس الفكرة فقد أكد على قراءة خارطة التحويل الشمسي جنب إلى جنب مع خارطة الميلاد لأن الدور الأساسي للتحويل السنوي هو تفعيل الوعود الكامنة في الميلاد وإبرازها خلال ذلك العام. 

فأذت لم يكن الحدث مكتوب في التركيبة الأصلية للميلاد فغالبا ما يظهر العبور أو التحويل السنوي حينها كحالة عابرة أو تجربة داخلية بدلاً من حدث فعلي ملموس( كمثل افكار او احلام ) . أما إن كان الحدث موعود فإن اجتماع ادلة التحويل السنوي والعبور معا هو ما يطلق شرارته في الوقت المناسب.

 

دور الإرادة الحرة في التفسير الفلكي

على الرغم من الطبيعة القدرية التي تحملها عبارة وعد الميلاد فإن العديد من المنجمين – خاصة حديثا – يأخذون بعين الاعتبار دور الإرادة الحرة والقرار الإنساني ففي تشكيل الأحداث.

 

المقولة الشهيرة التي اكررها دائما : «النجوم تشير ولا تجبر» تلخص هذه النظرة أي أن الكواكب قد توجه الظروف وتخلق الميل نحو أحداث أو مشاعر معينة لكنها لا تسلب الإنسان حريته في الاختيار أو القدرة على التأثير فالإرادة الحرة قد تفسر لماذا لا يحدث أمر متوقع أحيانا فالخرائط الفلكية قد تشير إلى فرص أو تحديات لكن استجابة الشخص لتلك الإشارات تظل العامل الحاسم مثلا قد يوحي عبور ما بفرصة مهنية لكن إن لم يبادر الشخص وانخفض حماسه (خياره الشخصي) فقد تمر الفرصة دون نتيجة ملموسة وبالمثل قد تشير التحاويل إلى خطر صحي أو حادث وهنا يمكن للشخص بانتباهه ووعيه أن يتخذ احتياطات تحول دون تحقق أسوأ السيناريوهات. وبعض المدارس الحديثة كعلم التنجيم الإنساني (الذي طوره دان روديار وآخرون) ترى أن معرفة التأثيرات الفلكية تمنح الشخص وعيا يمكنه من استثمارها إيجابا أو التعامل معها لتخفيف ضررها بدل اعتبار الإنسان ضحية حتمية للقدر.

 وهكذا يجتمع القدر مع الحرية في رسم مسار الحياة فخارطة الميلاد أشبه ما تكون بخارطة طريق تحدد الإطار العام وإشارات التنبيه على طول الطريق أما السائق (الشخص نفسه) فيملك أن يختار السرعة والمسار ضمن ذلك الإطار وبتعبير أنتوني لويس الخارطة الفلكية هي (دليل المالك) الذي يساعد الفرد على تحقيق أفضل ما في قدره عبر فهم نفسه وظروفه.

 

أن عدم تحقق بعض التوقعات الفلكية رغم وجود ادلة عليها يعود إلى مزيج من الاعتبارات التقنية والفلسفية ففلكيا قد يكون السبب غياب توافق كامل بين تقنيات التوقع المختلفة أو وجود عوائق فلكية مضادة أو خطأ في بيانات الميلاد. 

وولاديا يبقى وعد الميلاد هو الأساس فلن يحدث إلا ما تسمح به الخارطة الأصلية بينما تحدد التحاويل وتقنيات التوقع متى وكيف يحدث ذلك أما الإنسان فليس مجرد مستقبل سلبي للادلة فأردته وخياراته يمكن أن تغير مسار الدلالة وتحول دون حدوث أمر أو تهيئ الظروف لحدوثه بشكل مختلف. 

وهذه النظرة التكاملية تجمع بين حكمة المنجمين التقليديين (أمثال أبي معشر) ووجهات نظر المعاصرين (مثل فولجين ولويس) وتذكرنا بأن التنجيم أداة إرشاد لاحتمالات الحياة لكنه لا يلغي دور الوعي الإنساني في صناعة تلك الحياة.

 

المصادر

١. أبو معشر (تحاويل سني المواليد)

٢. ألكساندر فولجين (تقنية العودة الشمسية)

٣. أنتوني لويس (فن التوقع باستخدام العودة الشمسية)